اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من أين أبدأ؟

أمن صرخة معلم لا يقدر ان يطبب ابنه؟ أو من صرخة معلمة لا تقدر أن تشتري وقودًا لسيارتها؟

أمِن وجع مدرس تخلف عن تسديد فاتورة مولد الكهرباء؟ أو من مربّ للأجيال بات عاجزًا عن شراء المأكل والملبس لعائلته؟

في الحقيقة لا أدري ليس لأنني لا أعرف، بل لأنني حاضر في كل منهم وأعيش تفاصيل معاناة كل منهم.

نعم لقد بات الاستاذ، إن كان في ملاك الجامعة أو في المدرسة أو حتى في عدة جامعات ومدارس (وهذه حالتي) عاجزًا عن القيام بأدنى متطلبات الحياة!

نعم لقد أصبح الاستاذ في بلادنا في اسفل السلم الاجتماعي، اذ إن راتبه مهما علت شهاداته ومهما كانت ساعات عمله، لا يتجاوز الـ 500 دولار.

هنا أسأل كيف لهذا الاستاذ أن يجمع بين رسالته السامية وحالته الاجتماعية الدامية؟!

هذا الأستاذ بات بحاجة الى كل شيء وهو مطلوب منه كل شيء. هو بحاجة الى دعم مادي في اسرع وقت ممكن والى حوافز اجتماعية تعوض عليه ولو جزءَا من حقوقه، وهو بحاجة أيضاً الى دعم نفسي يعيد له شيئا من معنوياته وعزة نفسه.

بالمختصر هذا الاستاذ بات بحاجة الى ان يعرف نفسه من جديد فهو مخطوف في منحنيات الحياة ووديانها وعــاجز عن اكمال مسيرته بحدها الأدنى!

من هنا يبدأ الصراع عند كل استاذ أو معلم أو معلمة أو حادقة أطفال أو حتى عميد كلية له في هذا المجال سنوات عديدة.

الكل أصبح تحت خط الفقر، هذا الخط الأحمر المخيف، الخط الذي يهدد مهنية كل عامل في هذا المجال.

هذا الخط هجر ألوفًا من الاساتذة المخضرمين في كافة المجالات وهو يهدد اليوم أكثر من أي وقت مضى كل استاذ باق في بلادي!

كل منا يبحث عن البديل. عن بديل مهنة ارادته هي في صباه فعقد قرانه بها، عشق صعوباتها وتحدياتها وكان وفيَّا لها، بل عمل جاهداً كي يكون استاذا بكل ما للكلمة من معنى.

لو تسمعون يا أيها القراء أحاديث العاملين في مجال التربية، فهم في كل حين وعلى عدد الثواني يشكون همومهم لبعضهم بعضًا، هذا يسخر من وضعه الطارىء كيف انه لم يقدر أن يبدل دولاب سيارته، وآخر يهزأ من القدر كيف انه لم يقدر أن يدفع فاتورة الطبيب، معلمة حزينة تصرخ من حالتها المادية قائلة « ما عاد فيي عبي سيارتي بنزين» وأخرى صامتة من كثرة الهموم و... ناهيك باستاذ كرّس كل شبابه لخدمة هذه المهنة آملاً أن يلقى راحة في شيبه فوجد نفسه عند خط البداية عاجزًا عن تعليم أولاده في الجامعة.

يا لسخرية القدر الذي علم الوفّا من الاجيال لم يعد يستطيع أن يعلم أولاده في الجامعة!

وفي الفترة الاخيرة، والذي زاد المصيبة بلة، فقد بات الاستاذ عاجزًا عن سحب راتبه من المصرف واذا قدر على ذلك فهو يسحب جزءًا زهيدًا من أصل راتب صغير في الاصل!

مما لا شك فيه ان مهنة التعليم باتت في خطر. وخطرها اشدّ وقعًا على الاجيال الطالعة، فالقطاع التربوي يلفظ انفاسه الاخيرة فالاهل عاجزون والمدرسة عاجزة والاستاذ عاجز عن الاستمرار.

من اين يبدأ الحلّ؟

ما هي الخطوات العملية الضرورية التي ينبغي اتخاذها لانقاذ الباقي؟

ماهو دور كل من الدولة والنقابات والأهل والمؤسسات التربوية؟

الكل مسؤول وعليه ان يتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ، فان فرّطنا في التربية فعلى الدنيا السلام!

وهنا استعين بما قالته المستشارة الالمانية انجيلا ميركل امام قضاة المان طلبوا منها مساواتهم بالمعلمين فكان ردها: «كيف اساويكم بمن علّموكم؟» لأستخلص قيمة المربين في العالم المتحضر والذي يبني اجيالاً لمئات السنين المقبلة وكيف ان هذا الرد يلقن العالم درسا في الوفاء والاخلاق العالية.

اذا يا ايّها المسؤولون، الويل لكم ان لم تبادروا في حلّ ازمة التربية في لبنان. كل ما بقي لنا القليل من العلم في بلد اطلق الحرف الى الدنيا.

يا لســخرية القدر، العلم مـــهدّد في بلاد الحرف.

يا ايها المسؤولون لا تبنوا امجادكم على قهر الناس ومذلة المعلّم ومستقبل الأجيال بالله عليكم ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء. 

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!