اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يمرّ لبنان بمرحلة تعليق المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بينه وبين العدو الإسرائيلي، منذ 5 أيّار من العام الماضي، هذا التاريخ الذي كان يُفترض فيه عقد الجولة السادسة من التفاوض في الناقورة برعاية أممية ووساطة أميركية، غير أنّه جرى تاجيل الجلسة لموعد لاحق، لم يتمّ تحديد تاريخه حتى الساعة... وجاء الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين ليعرض أوّلاً طريقة جديدة في التفاوض قائمة على الجولات المكّوكية واستشارة الجانبين في نقاط عدّة قبل إعادتهما الى الطاولة لتوقيع الإتفاق النهائي، على ما كان يأمل في آذار الفائت.. ولكن لأنّ هوكشتاين نَكًث بالوعود التي أغدقها على المسؤولين اللبنانيين، ورسم خطّاً متعرّجاً ومنحرفاً على خريطته رغم علمه بأنّ لبنان رافض له أساساً، يُمكن للبنان اليوم أن يعود لخطّة الدفاع نفسها التي اعتمدها الوفد اللبناني العسكري المُفاوض باسم لبنان على طاولة الناقورة، بهدف تحصيل حقوقه التي يُحاول الإسرائيلي الإستيلاء على جزء كبير منها في المنطقة المتنازع عليها.

أوساط ديبلوماسية عليمة أكّدت أنّه على لبنان عدم وضع الخط 29 جانباً على ما يريد الأميركي والإسرائيلي، بل على العكس القيام بتعديل المرسوم 6433 وفق إحداثيات الجيش الجديدة، وإيداعه لدى الأمم المتحدة لكي يتمكّن الوفد فور استكمال المفاوضات غير المباشرة من التفاوض على الخط 29. وأوضحت أنّ لبنان دعا في بيانه الأخير الولايات المتحدة الى الإستمرار في جهودها لاستكمال المفاوضات لترسيم الحدود البحرية، بما يحفظ مصلحته العليا والإستقرار في المنطقة.. وموقفه هذا يدلّ على تمسّكه بالتفاوض غير المباشر مع العدو الإسرائيلي، وليس تجميد المفاوضات على ما هو حاصل منذ أكثر من 10 أشهر، بعد توقّفها في 5 أيّار الماضي.

وأوضحت أنّ الوسيط الأميركي أغدق وعوداً على المسؤولين اللبنانيين، حتى اعتقدوا أنّ الإتفاق أصبح وشيكاً. غير أنّه لم يلتزم بوعوده هذه عندما رسم خريطته وقدّمها لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وعندما قال الرئيس عون إنّ الخط 23 هو حدودنا البحرية، وليس خطّنا التفاوضي، كان مقتنعاً أنّ لبنان سيحصل عليه نتيجة المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي وبوساطة أميركية، وليس على خط متعرّج ومنحرف أعوج شكلاً ومضموناً.

أمّا الهدف الفعلي للعدو الإسرائيلي فليس موافقة لبنان على عرض هوكشتاين "الهجين"، إنّما نقل الصراع من الخط 29 الى الخط 23، لكي يتمكّن من التحكّم بكامل "حقل كاريش" ويُتابع عملية شفط الغاز منه من دون أي اعتراض عليه من الجانب اللبناني. وبذلك جعل الجميع يتناسى وجود الخط 29 رغم أنّه أكثر الخطوط المرسّمة قانونية، لا بل لعلّه الخط الوحيد القانوني والذي لا يُخالف الإتفاقيات والمعايير الدولية، على ما هي حال الخطوط المتبقية.

ولهذا لفتت الأوساط نفسها، أنّه على لبنان التمسّك أكثر فأكثر بالخط 29 الذي يُضيف الى منطقة النزاع بمساحة 860 كلم2، مساحة إضافية تبلغ 1430 كلم2 كون الدراسات والخرائط تؤكّد على حقّ لبنان في هذه المنطقة البحرية.. كما لأنّ اعتباره "خطّ تفاوضيّ"، يُمكّن لبنان من الحصول على الخط 23 كاملاً، والخط 23 + وصولاً الى حدود الخط 29. كذلك على الحكومة أن تلجا الى تعديل المرسوم 6433، حتى ولو كان هناك ضغوطات أميركية على لبنان لعدم تعديله، وإلّا فإنّ العدو الإسرائيلي يُهدّد لبنان بقرع طبول الحرب عليه مجدّداً.

وذكرت أنّه في الواقع هذا التهديد ليس جديّاً، إذ ليس من مصلحة العدو الإسرائيلي شنّ حرب جديدة على لبنان في المرحلة المقبلة كونه يودّ إراحة شركات النفط الدولية بأنّ المنطقة آمنة، ولا شيء سيُعرّض سفنها وطواقم عملها للخطر، لكي تتمكّن من إنجاز أعمالها في "حقل كاريش".. ولهذا، فإنّ أي تهديد من قبله للبنان، بإشعال الجبهة الجنوبية البحرية في حال قام لبنان بتعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة، هو تهديد أولي له بوقف أعمال شفط الغاز ومدّ الأنابيب نحو الدول الأوروبية، لأنّ أي من الشركات الدولية لن تأتي للعمل في منطقة غير آمنة ومتنازع عليها...

من هنا، نصحت الأوساط عينها، أن تُرسل الحكومة المرسوم 6433 مُعدّلاً، سيما وأنّ العدو الإسرائيلي يُصرّ على الخط 1، ولن يُعطي لبنان الخط 23، بل يودّ مقاسمته على الجزء الجنوبي من "حقل قانا"، كما على القسم الجنوبي الغربي من البلوك 8 الذي قد يكون فيه حقل واعد، وإلّا لما طالب الوسيط الأميركي بالتفاوض عنه للحصول عليه... فيما هوكشتاين أعلن في مقابلة تلفزيونية خلال زيارته الثانية الى لبنان أنّ المنطقة المتنازع عليها تقع بين الخطين 1 و23 (المودعين لدى الأمم المتحدة)، ما يؤكّد أنّه لم يكن ينوي إعطاء لبنان الخط 23، خلافاً لما وعد به المسؤولين، الأمر الذي جعل عون يُعلن انّ الخط 23 هو حدودنا البحرية.

في الوقت الذي وضع فيه هوكشتاين خطّه الذي يربط الخط 23 و"خط هوف" بخط صغير منحرف على خريطته، والذي جاء مناقضاً لوعوده للمسؤولين اللبنانيين بإعطائهم الخط 23 والحفاظ على كامل "حقل قانا" للبنان، وذلك بتعريج الخط في نهاية هذا الحقل لصالح لبنان، وليس أن يحيد عن الجزء الجنوبي منه، تاركاً إيّاه للإسرائيلي على ما رسم على خريطته.. وهذا ما جعلهم لا يردّون على عرضه الأخير لا بالنفي ولا بالقبول.. علماً بأنّ هوكشتاين كان يعلم أنّه يقترح خطّاً يختلف تماماً عمّا تحدّث به خلال جولتيه المكّوكيتين مع المسؤولين ولهذا لن يُوافقوا عليه.

من هنا، تجد الأوساط أنّه لا بدّ للبنان من العودة الى التمسّك بتعديل المرسوم 6433، كما بالرسالة التي أرسلها الى الأمم المتحدة في 28 كانون الثاني الفائت. فالخط 29 هو خط لبنان التفاوضي، وقد انطلق لبنان منه في عملية التفاوض على طاولة الناقورة، ولم يطرح اي خطّ آخر سواه، لكي يُقال إنّ لبنان بدّل رأيه 7 مرّات، وقد وضعته قيادة الجيش وثمّة مراسلات عنه في مجلس الوزراء. كذلك فإنّ الوفد المُفاوض باسم لبنان وضع أمرين كـ "خط أحمر" خلال المفاوضات: الخط الأحمر الأول، عدم التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، والثاني عدم إلزام لبنان بأن تكون المنطقة المتنازع عليها بين الخطين 1 و23، أي ضمن مساحة الـ 860 كلم2، على ما يريد كلّاً من الأميركي والإسرائيلي.

ولكن عندما اكتُشف "حقل قانا" في نيسان، وأطلق عليه هذا الإسم تيمّناً بذكرى مجزرة قانا التي حصلت في نيسان من العام 1996، أصبح للوفد خطّاً أحمر جديد هو حماية "خط قانا". وهذا الخط يمرّ بين "حقل كاريش" و"حقل قانا" ويعطي لبنان مساحة 500 كلم 2 إضافية. وهو ينطلق من نقطة رأس الناقورة، ويأخذ (تأثير نصفي) لجزيرة تخليت ويعطي الإسرائيلي "كاريش" كاملاً، ولبنان "قانا" كاملاً، و500 كلم2 إضافية. وهذا لا يجعل لبنان يتخلّى عن الخط 29 خلال عملية التفاوض، بل يتمسّك به. ولهذا فإذا أراد لبنان الوصول الى حلّ عادل يرضيه ويُنصفه عليه عدم القبول بما دون هذا الخط، في حال عاد الى طاولة المفاوضات.

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!