اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قليل جدا من يعرف جولييت المير سعاده، المناضلة السياسية، التي اقترنت بانطون سعاده، مؤسس وزعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، في الارجنتين بعد ان نفته سلطات الاستعمار الفرنسي من لبنان، بعد انكشاف امر حزبه، بانه يعمل لاخراج الاحتلالين الفرنسي والبريطاني من امته «سورية الطبيعية»، التي قسماها في اتفاقية «سايكس – بيكو» عام 1916.

فجولييت التي ينادونها القوميون الاجتماعيون بـ «الامينة الاولى»، وهي رتبة تمنح داخل الحزب القومي للمفكرين منه والمناضلين المتفانين في سبيل القضية القومية الاجتماعية ، وقد استحقتها جولييت ليس لكونها زوجة انطون سعاده، بل لانها مؤمنة بحتمية انتصار المبادئ التي هي طريق انقاذ الامة لوحدتها القومية، ولبناء الانسان الجديد فيها، بتحريره من الطائفية والمذهبية والولاءات للاقطاع السياسي، والاحزاب الهدامة.

فهذه المرأة المكافحة احتلت مركزا متقدما منذ بداية الاربعينات في العمل الحزبي، وحتى استشهاد سعاده في 8 تموز 1949، وواصلت النضال في الخميسنات من القرن الماضي، واعتقلت وسجنت في منتصفه، لمدة تسع سنوات (1954-1963) في دمشق، ولاقت كل صنوف التعذيب والتنكيل على يد اجهزة الامن السورية والسلطة الحاكمة، فخرجت الى الحرية في العام 1963، وتفرغت لكتابة مذكراتها، رغم مرضها واشغالها، والتي انهتها في العام 1969، الى ان تم الافراج عنها وصدرت بعد اكثر من ثلاثة عقود، بجهد بناتها صفية واليسار وراغدة، اللواتي تحمّلن ايضا فراق الاب وسجن الام، وهن بحاجة لهما، لكنهن اقتنعن انهن بنات رجل اسس للنهضة السورية القومية الاجتماعية، وهز عروش الحكام، وكشف خطط الاستعمار واليهود وعملائهم، ودعا الى المواجهة القومية، وعودة «سورية الطبيعية» الى مجدها وحضارتها التي شعت على العالم.

مذكرات جولييت المير سعاده التي صدرت في العام 2003، بعد 27 عاما على رحيلها، قرأتها ريجينا صنيفر المقاتلة السابقة في «القوات اللبنانية» التي كتبت مذكراتها عن المرحلة التي كانت في صفوفها بالحرب، فاصدرت كتابا بعنوان «القيت السلاح» (امرأة في خضم الحرب اللبنانية)، وصدر في الفرنسية، ليترجم الى العربية بقلم الدكتورة رلى ذبيان عام 2008 في طبعتها الاولى، وقد توقفت صنيفر عند نضال جولييت المير سعاده كامرأة تحمل عقيدة، ولم تلق سلاح الفكر الذي رأت فيه طريق الخروج لقيام امة عظيمة.

وقد اثرت مذكرات «الامينة الاولى»، بالمقاتلة ريجينا صنيفر وارتكزت عليها، للاضاءة على امرأة لم تأخذ حقها في خضم ما يحكى عن دور نسوة في شتى الحقول، حيث لحق الغبن جولييت، وتم تغييبها من حزبها اولا، فابعدت عن موقع القرار فيه، ولم تُكرم واختفت من ذاكرة الكثير من القوميين، حيث بقيت 5 مذكرات في كتاب، وهي التي تعتبر من ابرز المجاهدات في لبنان والعالم العربي لا بل في العالم.

لذلك رأت صنيفر في المذكرات مناسبة، لتضيء على نضالها، فكتبت رواية اسندت الى ما روته جولييت، فصدر الكتاب بالفرنسية قبل سنوات بعنوان «ضياء في ظلمات الشرق»، واسم ضياء هو الذي اطلقه سعاده على جولييت، وارسل رسائله اليها بهذا الاسم، وصدرت في كتاب قبل سنوات.

والكتاب يؤرخ محطات من تاريخ «الهلال الخصيب»، الذي دفع بانطون سعاده الى وضع مبادئ حزبه في العام 1932 لنهضته، حيث تسرد الكاتبة مراحل سياسية عدة شهدتها المنطقة ولبنان، وتقدم للقارئ مادة تاريخية سياسية هامة تكشف عن معلومات خطرة، لا سيما عن مخططات ازمة الكيان الصهيوني، ودور قوى لبنانية في تسهيل ذلك عبر التواصل مع قيادات في الحركة الصهيونية، وكيف ولماذا انشئ لبنان الكبير، حيث طرح في الاجتماع موضوع «تحالف الاقليات» الذي ارتكز عليه قادة المشروع الصهيوني، لانشاء دولتهم العبرية، كحلفاء لهم في ضمان امن كيانهم.

وفي الكتاب، عرض للظروف التي عاشتها جولييت مع اهلها في طرابلس، وانتقالها الى الارجنتين، التي تعرفت فيها الى انطون سعاده، وآمنت بفكره. وانتمت الى حزبه الذي نشطت فيه، وحصل الزواج، حيث تروي صنيفر نقلا عن مذكرات «الامينة الاولى» المراحل التي عاشها الزوجان، والحرمان والفقر اللذين مرا بهما، والعمل بالتجارة، حيث لم يوفق سعاده بشركائه، ثم تأسيس جريدة «الزوبعة» التي كان يكتب مقالاتها وينضدها، ويوزعها على دراجة بعد صدورها.

انها حياة زوجية ضاقت فيها ظروف المعيشة، لكنها كانت كريمة، حيث حل الفرح على العائلة بولادة البنت البكر صفية، ثم اليسار في الارجنتين، التي غادرها سعاده في العام 1947 للعودة الى الوطن، ووقف الانحراف الفكري والسياسي في حزبه والتحضير للثورة.

في رواية صنيفر، نقلا عن المذكرات تأريخ للحزب، والايام والاشهر والسنوات التي قضاها سعاده في اغترابه القسري، يكتب وينظم الفروع الحزبية، ويواجه الحملات ضده شخصيا، ومحاولة تشويه افكاره.

وتنقل الكاتبة عن «الامينة الاولى»، كيف كان سعاده مولعا بالموسيقى ولديه موسوعة موسيقية، حيث تظهر في الكتاب ما واجهه سعاده من مشاكل تجارية، اذ عاش فقيرا، وقد بات صاحب مسؤولية اكثر مع الاولاد.

وفي الكتاب، تأثر سعاده بسيمون بوليفار الثائر الارجنتيني، وصاحب الدعوة لاتحاد اميركا اللاتينية، في تقاربه لما يطرحه في مسألة وحدة «سورية الطبيعية».

واهم ما في الكتاب، ان صنيفر اسقطت الاحداث السياسية والجيو – استراتيجية، على كل مرحلة من مراحل تاريخ سعاده وحزبه، حيث كشفت عن معلومات واعترافات خطيرة، نقلا عن وثائق ومذكرات، حيث تكشف عن ارتباط حسني الزعيم الذي قاد اول انقلاب في سوريا في آذار من عام 1949، والذي خدع سعاده عندما حدّثه عن انه يعمل لثورة في لبنان، فشجعه وقدم له مسدسه كوفاء لتعهده له، ليتبين ان حسني الزعيم نصب فخا لسعاده، وكانت «الامينة الاولى» حذرته منه، ليتبين انه كان يتواصل مع الصهاينة عبر موشي شاريت، واقترح اتفاق هدفه مع الكيان الصهيوني، وقَبِل بتوطين 250 الف فلسطيني ووقع اتفاقا مع شركة «ارامكو» لمد خط انبوب نفط الى الشاطئ السوري، فاوقع حسني الزعيم بسعاده وسلمه الى السلطات اللبنانية، لتظهر المؤامرة الاميركية – الصهيونية، بتنفيذ من السلطة اللبنانية برئاسة بشارة الخوي ورياض الصلح ومعهما حزب «الكتائب»، اضافة الى الملك فاروق والملك سعود.

هذه المؤامرة قتلت سعاده، بمحاكمة صورية اثر قيامه بثورة شعبية مسلحة على النظام الطائفي، ففشلت ليُعدم في فجر 8 تموز 1949، لكن الانقلابات توالت في سوريا، فقتل حسني الزعيم في آب 1949 بانقلاب سامي الحناوي، ثم بعده انقلاب اديب الشيشكلي الذي كان عضوا في الحزب القومي.

هذا السرد التاريخي لمحطات وردت في مذكرات «الامينة الاولى»، التي تنقل صنيفر في كتابها، مرحلة ما بعد استشهاد سعاده ونشاط جولييت، واهتمامها ببناتها، اثر انتقالها الى سوريا والاقامة فيها، بعد ملاحقة السلطات اللبنانية للقوميين وزجهم في السجون، وحصل اغتيال رياض الصلح في تموز 1951 في الاردن، على يد ميشال الديك ورفاقه، حيث جرت محاولة قبل عام على يد توفيق رافع حمدان ولم ينجح في بيروت.

في المذكرات، النشاط الحزبي الذي قامت به «الامينة الاولى» الى ان وقعت في نيسان 1954، عملية اغتيال العقيد عدنان المالكي على يد القومي يونس عبد الرحيم، حيث كانت جولييت بعيدة عن الحدث، الذي اتهم رئيس الحزب جورج عبد المسيح مع اسكندر الشاوي بتدبيرها، حيث اعتقلت اثر الاغتيال جولييت، التي ترك عبد المسيح حقيبة في منزلها، الذي كان ايضا مركزا للحزب، ونبهته منها، الى ان تم اعتقالها، فتم حل الحزب، وزج بالقوميين في السجون، وفر عبد المسيح الى لبنان، حيث بدأت الشكوك حول دوره في هذه العملية التي كان تأثيرها سلبيا على الحزب، فوجهت جولييت الاتهامات الى عبد المسيح بانه قام بعمل ادى الى تدمير الحزب، الذي طرد منه بسبب تفرّده بالقرار، حيث برّأت المحكمة العسكرية السورية الحزب منها.

قضت «الامينة الاولى» 9 سنوات في السجن بعد محاكمة لمدة 16 شهرا ، والتي لا تمت الى الحقيقة والعدالة، مع خمسين قوميا مدنيا وعسكريا، ادت بهم الاحكام الى الاعدام والسجن المؤبد والاشغال الشاقة، حيث قضت جولييت ورفقائها في السجن ظلما، وتخللت مرحلة التسع سنوات، احداثا سواء في سوريا ولبنان، يعرضها الكتاب، اذ تربط صنيفر بين اغتيال المالكي ومخطط اميركي، وتنقل عن «الامينة الاولى» كيف انقلب الشيكشلي على تعهداته للحزب واقفل مطبعة «الجيل الجديد».

انه كتاب يؤرخ لمرحلة هامة من تاريخ الحزب والامة، ويعرض احداث سياسية، ارتبطت باخرى حزبية، وتأثير الخارج على قرارات اخذتها قيادات حزبية، بعد استشهاد سعاده، الذي اراد من ثورته اصلاح البنية السياسية للنظام اللبناني.

فالتاريخ يجب ان يُكتب ويُقرأ، ومذكرات «الامينة الاولى»، تضيء على مرحلة هامة من تاريخ حزب اراده مؤسسه، ان يكون اداة تغيير في المجتمع، الذي وصف له الدواء، ليشفيه من امراضه، التي ما زال يرزح تحتها، وما الحروب التي يشهدها الهلال الخصيب الذي تحوّل الى كئيب، الا نتيجة ما حذر منه انطون سعاده، ودعا الى مواجهة الاخطار بخطط نظامية معاكسة، فكانت دعوة الى الوحدة القومية، والى مقاومة وجود الكيان الصهيوني الغاصب، والى مواجهة الطائفية بالوعي والاخاء القومي، ونشر العدالة الاجتماعية بنظام اقتصادي منتج.

ما اقدمت عليه ريجينا صنيفر في كتابها، اضافت تاريخا على تاريخ لامرأة لم يُنصفها التاريخ.

ان «الامينة الاولى»، لها بصمات في التاريخ الحديث للبنان وسوريا، كامرأة شاركت انطون سعاده في نضاله، وواصلت نشاطها بعد استشهاده في حزبه، كرّمتها ريجينا صنيفر بكتاب بالفرنسية باسلوب سهل ولغة سردية، اضاءت فيه على حياة وكفاح، امرأة من بلادها، ومن موقع فكري مختلف، في مرحلة كانت ريجينا تحمل السلاح مقاتلة في «القوات اللبنانية» والقته، لتمتطي سلاح الفكر، فتقترب كثيرا من طروحات سعاده العقائدية.

قدم للكتاب الوزير السابق جورج قرم، وقام بتعريبه الشاعر والناقد الثقافي الصحافي اسكندر حبش، وتكلف بطباعته مجموعة من القوميين الاجتماعيين، ويوزعه «دار الفرات»، وهو من الحجم الكبير بعدد صفحات 365، مع فهرس للاعلام والاماكن، وملحق صور.

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!