اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

القيصر يصدمنا. من قيل ان فيه تتقاطع شخصية بطرس الأكبر مع شخصية ايفان الرهيب، يبدو وقد ضاع بين الوحول، وبين النيران، وحتى بين الجثث في أوكرانيا. ها هو يتحدث كما أي ديكتاتور في العالم الثالث حين يتهم الغرب بمحاولة تدمير بلاده من الداخل، داعياً مواطنيه الى الاتحاد، ولافتاً الى تخطيط أجهزة أجنبية، بخاصة وكالة الاستخبارات المركزية لتنفيذ «عمليات مروعة»!

مثل هذا الكلام يمكن أن يصدر عن رئيس دولة هشة، وقابلة للتفكك، لا عن رجل يحكم أمبراطورية مترامية، وتمتلك ترسانة نووية باستطاعتها تدمير الكرة الأرضية في غضون ساعات. سؤالنا ما اذا كانت الصدمة الأوكرانية زعزعت أعصاب فلاديمير بوتين...

ثم أين هو جهاز الـ GRU الذي حلّ محل الـ KGB، وكان يثير الهلع في سائر أرجاء الغرب ابان العهد السوفياتي؟ الرئيس الروسي نتاج ذلك الجهاز.

حتى أن جو بايدن الذي تعاني بلاده من أزمات، ومن تصدعات بنيوية لم يتكلم بتلك الطريقة، لا بل أن الصحف الكبرى، والشاشات الكبرى، تقف الى جانب البيت الأبيض في ادارة الصراع من المقاعد (أو من الخنادق) الخلفية.

عمليات مروعة؟ السناتور لندسي غراهام دعا علناً الى اغتيال بوتين. حتى ليتردد أنه دعا الروس الى تفجير الكرملين، بعدما كان جورج سوروس، «حاخام وول ستريت»، يراهن على شرائه ابان عهد بوريس يلتسين لتحويله الى «كنيس» أو الى كازينو.

مهما تعددت التبريرات والتفسيرات، كلام القيصر صادم، صادم جداً، وبعدما تبيّن أن غالبية البيانات التي تصدر عن وزارة الدفاع الروسية حول تطورات الميدان تثير الدهشة. السيطرة الكاملة على الأجواء الأوكرانية، وتدمير سلاح الجو هناك، لنفاجأ بطوافتين تغيران على مستودعات للوقود داخل الأراضي الروسية، في حين تستمر غارات مسيّرات «بيرقدار» التركية، والتي يقال أنها فاقت المسيّرات الأميركية في أدائها الميداني. ناهيك عن البيانات الرتيبة التي تتحدث عن تدمير دبابة هنا، واطلاق صاروخ هناك، في حين أن الجيش الروسي الذي تراجع عن احتلال كييف ما زال يدور حول نفسه داخل التضاريس الأوكرانية.

بعقل بارد وبدم بارد، عرف الجنرالات في البنتاغون، وهم الذين عاشوا التجارب الصعبة (التجارب المستحيلة) على الأرض الأفغانية، كيف يلاعبون القيصر عسكرياً، وحتى سيكولوجياً الى حد استنزافه. من ثلاثة عقود والـ «سي. آي. أي» تحفر في العمق الأوكراني.

مؤشرات كثيرة على أن الكرملين في حيرة، في حين أن فولوديمير زيلنسكي، بكل مواصفات المهرّج، وبكل مواصفات الدمية، يظهر على الشاشات كما لو أنه الفيلد ماريشال برنارد مونتغمري أو الجنرال ماك آرثر.

المشهد على الضفة الأخرى ليس أقل ضبابية وأقل توتراً. في باريس وبرلين (ما عدا وارسو التي تشتعل كراهية للروس)، تساؤلات كثيرة «أين نحن بعد أن تنتهي الحرب»؟ و»هل تستنزف أميركا روسيا أم أوروبا»؟ التساؤل الأكثر اثارة، والضائقة المعيشية تضغط بقوة: «هل تثور أوروبا على... أميركا»؟!

الاقتصاد يتراجع (بل يتقهقر)، الترسانة العسكرية تكاد تفرغ من الكثير من الأعتدة الحساسة دون أن يكون في استطاعة، أو في نية، الولايات المتحدة اطلاق مشروع مارشال كالذي أطلقته عام 1947، اي غداة الحرب العالمية الثانية، لاعادة احياء الاقتصاد الأوروبي، ليس افتتاناً بالقارة العجوز، وانما لفتح الأسواق أمام الشركات والمنتجات الأميركية. الخشية الآن من أن يكون في الرأس الأميركي اطالة أمد الحرب لسنوات. هنا يحذر أوليفيه روا من «اللحظة العبثية في رؤوس الجنرالات»، أي اللعب بمصير أوروبا التي لا تمكنها أوضاعها الاقتصادية من الاستمرار هكذا، والاطباق على صدور مواطنيها.

في واشنطن ثمة من يسأل ما اذا كان «علينا أن ننتظر هيروشيما كونية». حتماً، لن تكون أوكرانيا عضواً في الأطلسي، ولا بد، في نهاية المطاف، من تكريس حياد هذه الدولة لتكون التسوية الكبرى، الصفقة الكبرى GREAT DEAL، كما يتوقع مارتن وولف، كبير المعلقين في «الفايننشال تايمز».

كالعادة، اقدام الفيلة تسحق الحيوانات الصغيرة...

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!