اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ايام قليلة ويتوجه اللبنانيون للاقتراع في الانتخابات النيابية، التي اجتازت المرحلتين الاولى والثانية في الدول العربية والاغتراب، وسُجل للحكومة، وتحديدا وزارتي الداخلية والخارجية، نجاح في حصولها دون اشكالات او ارتكابات تذكر، وهذا ما يتوقعه المسؤولون ان يجري في الاستحقاق الانتخابي يوم الاحد المقبل، بالرغم من دعوات يطلقها محازبون ومناصرون ل «تيار المستقبل» لمقاطعة الانتخابات، وارسال اشارات حول عرقلتها، الا ان مصادر وزارة الداخلية، تؤكد بان القوى العسكرية والامنية في جهوزية تامة لمنع قطع طرقات، او افتعال مشاكل امنية.

وهذه الانتخابات، التي تعمل القوى الحزبية والسياسية واخرى مستقلة على حشد الناخبين لرفع الحواصل وتأمين الصوت التفضيلي، فان دولا ومنظمات اممية وضعتها تحت المرصد لمعرفة ما ستسفر عن نتائج، اذ على معطياتها سيتقرر مصير لبنان وشكل الحكم فيه، ولمن يكون النفوذ الاقليمي والدولي، بعد ان ظهر ان العنوان السياسي للانتخابات : مَن هو مع سلاح المقاومة، ومَن هو ضده؟ اذ ان الانقسام السياسي في المجتمع اللبناني قائم منذ سنوات على هذا الشعار الذي اخفى الاسباب الحقيقية للازمة، الممتدة على نحو قرن منذ نشوء «دولة لبنان الكبير».

ومع كل انتخابات نيابية، حصلت منذ الاستقلال في العام 1943 ، كانت تتبعها وعلى ضوء نتائجها ازمات وتحولات وحروب داخلية لبنانية، وارتماء لبنان في هذا المحور او ذاك، حيث سجل تاريخ الانتخابات النيابية الاحداث والوقائع التي اعقبتها وهي:

- في اول انتخابات جرت بعد الاستقلال باربع سنوات، اي في 25 ايار حصل تزوير فيها لصالح قيام تكتل نيابي، يجدد لرئيس الجمهورية بشارة الخوري، فاعقب ذلك اقدام مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي انطون سعاده على قيادة ثورة شعبية مسلحة للاطاحة بالنظام السياسي، الذي كشف خطره، وحذر الشعب اللبناني منه في نداءات له، وقرر بعد ان قام الكيان الصهيوني في العام 1948 وتواطؤ الانظمة معه، ان يعلن ثورة ضد النظام الفاسد في لبنان، لكن ثورته التي قادها في 4 تموز 1949 فشلت، فاعدم على اثرها في محاكمة شكلية وغير عادلة في 8 تموز 1949، حيث شكل هذا الاغتيال السياسي حدثا ضد السلطة في لبنان، وانكشاف ارتباطاتها الخارجية.

فرد عليها القوميون الاجتماعيون باغتيال رئيس الحكومة رياض الصلح الذي وقّع على الاعدام في العام 1951 في الاردن، ليشارك الحزب القومي بعد عام في «الثورة البيضاء» التي قادتها المعارضة ضد الرئيس بشارة الخوري ودعت الى استقالته، فاستجاب لمطالب «الجبهة الاشتراكية» الوطنية، وقدم استقالته في ايلول 1952.

- انتخب كميل شمعون رئيسا للجمهورية ، واجرى انتخابات عام 1957، اسقط فيها رموز للمعارضة التي كانت ضد وضع لبنان في «مشروع ايزنهاور» و «حلف بغداد» ودعمت مشروع الرئيس المصري جمال عبد الناصر الداعي الى قيام الوحدة العربية، حيث اعقبت انتخابات 1957، ما سمي بـ «ثورة 1958» او العصيان المدني والانتفاضة ومنعت الرئيس شمعون من التجديد، والذي تركه حلفاؤه الاميركيون، وساروا بتسوية عبد الناصر باتنخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية.

- بعد عامين من انتخاب شهاب، اقر مجلس النواب قانونا جديدا للانتخاب في العام 1960، لتثبيت العهد واعطائه قوة بكتلة نيابية تجدد له في العام 1964، لكن المفاجأة جاءت من الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي قام مع ضباط قوميين بانقلاب ضد الحكم الشهابي لكنه لم ينجح فتم حل الحزب واعتقال قادته واعضائه ومناصريه.

وبعد ان ركزت «الشهابية» او ما سمي «النهج» حكمه بواسطة «المكتب الثاني» (المخابرات) اجرى انتخابات عام 1964 جاءت لصالحه، لكن شهاب لم يقبل التجديد له، فوافق على ظل له، فكان الرئيس شارل حلو، حيث شهد عهده اول هزة مصرفية سميت بازمة «بنك انترا» في العام 1965، ليعقب ذلك الظهور الفلسطيني المسلح عام 1967، بعد هزيمة الجيوش العربيىة في حرب حزيران 1967، وتقوية المظاهر الفلسطينية المسلحة، واتخاذ فصائل فلسطينية من الجنوب، لا سيما في العرقوب، قواعد عسكرية لها، والقيام بعمليات ضد العدو الاسرائيلي.

- بعد ظهور الكفاح المسلح الفلسطيني ومع انتخابات عام 1968، قام «الحلف الثلاثي» بين الاحزاب المسيحية: الكتائب والاحرار والكتلة الوطنية، وجرى خوض المعركة الانتخابية، ضد السلاح الفلسطيني والشهابية، وهذا ما اسس للحرب الاهلية، حيث اندلعت معارك عسكرية بين الجيش والمسلحين الفلسطينيين انتجت «اتفاق القاهرة» الذي شرعن العمل الفدائي، لكنه اسس للحرب الاهلية، مع استمرار «اسرائيل» باعتداءاتها على لبنان.

- في العام 1972، جرت الانتخابات في ظل تنامي قوة اليسار اللبناني المتحالف مع المقاومة الفلسطينية، ففاز اليمين اللبناني بالغالبية النيابية، ليبدأ الحراك في الشارع من القوى الوطنية ورفعت مطالب لاجراء اصلاح في النظام السياسي، وتأمين العدالة الاجتماعية، لتدخل البلاد في صراعات طلابية، وبين النقابات والسلطة، وعدوان اسرائيلي دائم، ومعارك عسكرية متنقلة بين الجيش والمقاومة الفلسطينية، لا سيما في ايار 1973، بعد اغتيال ثلاثة من قادة المقاومة في بيروت هم: كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار، مما زاد من العطف على المقاومة التي كان لها حاضنة وطنية من قوى اليسار، اشعل الحرب الاهلية، لمدة 15 عاما، مدد مجلس النواب لنفسه حتى اتفاق الطائف ووقف الحرب الاهلية في العام 1991.

- بعد اتفاق الطائف منذ العام 1992، كانت مجالس النواب، تولد من رحم الوجود السوري الامني وقاطع جزء كبير من المسيحيين الانتخابات، لانها اخلّت بتوزيع المقاعد، كما في تركيب الدوائر، حيث استثني جبل لبنان من ان يكون دائرة واحدة كمحافظة، واعتمدت فيه الاقضية بناء لرغبة وليد جنبلاط، اذ كانت القوانين الانتخابية تقر على اساس مصالح اطراف وقوى سياسية، وكان النفوذ السوري عبر جهازه الامني مؤثرا بصياغة القوانين لصالح افراد وجماعات، وسمي قانون عام 2000، «بقانون غازي كنعان» الذي اتى لصالح رفيق الحريري، واسقاط لائحة الرئيس سليم الحص في بيروت وكان رئيسا للحكومة.

ـ كانت تعقب كل انتخابات نيابية في ظل الوجود السوري، ازمات سياسية داخلية، كان المسؤولون السوريون يضبطونها او يقمعونها، الى ان بدأ التحضير لانتخابات 2005، التي كان التوجه فيها لاسقاط رفيق الحريري، الذي اتهم بانه وراء قرار مجلس الامن الدولي 1559، وعمل على منع التمديد للرئيس اميل لحود، وبدأ يتحول سياسيا منذ الغزو الاميركي للعراق، فكانت عملية اغتياله في 14 شباط 2005، والتي لم تمنع الرئيس الاميركي جورج بوش من ان ينفذ مشروعه «للشرق الاوسط الكبير» فدعمت ادارته ثورات ملوّنة في العالم التي بدأت في العام 2004 باوكرانيا، لتظهر في العام 2005 في لبنان بـ «ثورة الارز» والتي جرى استغلال مقتل الحريري ودمه، للفوز بالانتخابات النيابية لاحراز اكثرية فيها، من ضمن «تحالف رباعي» ضم «حركة امل» و حزب الله من جهة، و»تيار المستقبل» والحزب «التقدمي الاشتراكي» من جهة ثانية، لكن فوز 14 اذار بالاكثرية نتج عنها تحكمها بالسلطة واستفرادها بها، وزج الضباط الاربعة في السجن، وشكلت المحكمة الدولية في قضية اغتيال الحريري، حيث غرقت البلاد في «حرب اهلية باردة»، تصاعدت بعد العدوان الاسرائيلي على لبنان 2006 ودام 33 يوما مستهدفا سلاح حزب الله الذي لم تتمكن قوى 14 آذار من نزعه، فحصلت احداث 7 ايار 2008 لتعيد التوازن الى السلطة.

- ومنذ انتخابات العام 2005 وحتى 2009 كانت قوى 14 اذار تفوز بالاكثرية وتستفرد بالحكم، في ظل اوضاع امنية متوترة، الى ان كان الانقلاب على سعد الحريري في العام 2011 واستقالة ثلث اعضاء الحكومة زائدا واحدا، حيث اسس هذا الانقلاب الى تموضع السلطة في يد 8 اذار، بعد ان انتقل جنبلاط والرئيس نجيب ميقاتي الى الوسطية والذي ترأس الحكومة عام 2011، واستقال في العام 2013، ولم تحصل الانتخابات النيابية فيه، ومدد مجلس النواب لنفسه، في ظل فراغ رئاسي، بعد ان انتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان، فانتقلت السلطة الى مجلس الوزراء برئاسة تمام سلام، الذي لم تشكل حكومته في مطلع 2014 الا بعد ان اعلن الحريري «ربط نزاع مع حزب الله» الذي بدأ القتال الى جانب النظام في سوريا.

- حصلت التسوية الرئاسية عام 2016، بين الرئيس ميشال عون وسعد الحريري، بوصول عون الى رئاسة الجمهورية، وهو لم يرضي السعودية، التي صمتت عنها الى ان حصلت انتخابات عام 2018، وفاز حزب الله وحلفاؤه بالاكثرية النيابية، حيث لم يمض عام، الا واندلعت ما سمي «ثورة 17 تشرين الاول» عام 2019، مما خلق فوضى سياسية وامنية، وانهيار مالي واقتصادي، من ضمن مخطط اسقاط الدولة في لبنان وتحويلها الى فاشلة، وفي ظل سلطة حاكمة فاسدة، فتوجهت كل من فرنسا واميركا الى ما سمي «المجتمع المدني» ليكون البديل عن الفاسدين، من خلال الانتخابات النيابية، التي تحصل في ظل وضع مالي ومعيشي مترد لدفع اللبنانيين نحو التغيير، وان واشنطن وباريس تراهنان على ان نتائج الانتخابات لا بد ان تعزز كتلة من «التغييريين» سيكون لها تأثير في مجلس النواب، ويكون ولاء هذه الكتلة لمن يقف وراءها في الخارج.

وفي هذا العرض التاريخي للمراحل التي جرت فيها الانتخابات على مدى نحو 75 عاما، وما اعقبها من ازمات وحروب، حيث كانت اطراف خارجية مع قوى داخلية تستخدمها لصالح مشاريعها. والسؤال الذي يُطرح بعد الانتخابات الحالية التي تنتهي في 15 ايار الجاري، ماذا بعد، والى اين يتجه لبنان؟

وبمراجعة ما جرى استعراضه من مراحل ما بعد كل انتخابات، فان الحالية ستكون صورة عن سابقاتها وسيعقبها احداث سياسية تعزز الانقسامات وتوترات امنية، ومزيد من التدهور المالي، وسيوضع الاستحقاق الرئاسي في الميزان. 

الأكثر قراءة

حصار أم اقتحام الضاحية الجنوبية؟!