اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتوالى الأزمات على أنواعها محليا وعالميا، ولعلّ الأزمات الصحيّة هي الأخطر بينها، كونها المعطّل الأكثر فعالية لاقتصاد الدول، وجائحة كورونا لا تزال أصدق مثال على ذلك.

وبينما لم تكد تلتئم جراح العالم جرّاء فيروس كوفيد-19، حتّى أطلّ «جدري القرود»، ليعيد الهواجس والقلق إلى الناس، لا سيّما أنّ خطر الوفاة بسببه قائمة، وإن كانت بنسب ضئيلة جدا.

فما هو «جدري القرود»؟ وما مصدره؟ ما الفرق بينه وبين «الجدري» العادية لناحية الأعراض والمضاعفات ونسبة الوفاة؟

«جدري القرود» كما عرّفته لـ «الديار» الإختصاصيّة في الأمراض الجرثوميّة والمعدية الدكتورة ندى شمس الدين، هو التهاب فيروسي ناجم عن فيروس (Monkeypox ) وهو فيروس قديم بتاريخ الأوبئة، تمّ اكتشافه عند القرود عام 1958 وسمّي حينها بـ»جدري القرود» ، وتشبه كثيرا الجدري التي تصيب البشر اسمها ( variola) أي ( smallpox)، وسجّلت أوّل إصابة به لطفل في أفريقيا به عام 1970، ومنذ ذلك الوقت عرفنا أن هذا الفيروس يمكن أن ينتقل من الحيوان إلى الإنسان، فيما عادة لا ينتقل من إنسان إلى آخر، لذلك فإنّ ما حصل في أيّار من العام 2022 بإنتقال الفيروس بين البشر شكّل مفاجأة طبيّة.

موطن الفيروس

ومفاجأة إنتشاره في أوروبا

إفريقيا هي الموطن الأصلي لفيروس جدري القرود، وفق شمس الدين، وتحديدا وسط وغرب القارة السمراء وفي حوض الكونغو، لافتة إلى أنّ ما شكّل المفاجأة الثانية هو انتشار الفيروس خلال أسبوعين في أكثر من 12 بلدا في العالم، منها بريطانيا وإيطاليا وإسبانبا والسويد وألمانيا وبلجيكا وفرنسا والبرتغال وأميركا وكندا وأوستراليا، موضحة عدّة نقاط في هذا الإنتشار، أولها جغرافي وهي أنّ المناطق التي انتشر فيها الفيروس غير إعتيادية، ثانيا: حصول العدوى بين الأشخاص من دون السفر الى موطن الفيروس، وثالثا أنّ أغلبية الحالات سُجّلت بين «المثليين» .

أعراض جدري القردة

حدّدت شمس الدين بدقة مزايا «جدري القرود» بقولها إنّ هذا النوع يتميّز سريريا بفترة حضانة تمتّد من 5 إلى 21 يوما، فيما بلغت 13 يوما في الحالات الأخيرة، بعدها تبدأ الأعراض السريرية وهي حرارة، دوار، وهن عام وتعب شديد، صداع، وما يميّزها عن الجدري العادية أنها تسبّب تضخما بالغدد الليمفاوية، وخلال يومين أو ثلاثة يظهر الطفح الجلدي، وينتشر في الوجه والأطراف والبطن والظهر والأقدام وباطن الكفيّن والقدمين، منبّهة إلى ضرورة إجراء الفحص التشخيصي( pcr) ، والذي يجرى على سوائل حبيبات الطفح الجلدي، في حال الشك أو الإحتكاك بمصاب.

من الأكثر عرضة لخطر الوفاة؟

أكّدت شمس الدين أنّ «جدري القرود» قد تصيب كلّ الأعمار، وأشارت إلى أنّ هناك فئات عرضة أكثر من غيرها لمضاعفات تصل إلى الوفاة، وهي الأعمار الصغيرة جدا، كبار السن، الحوامل، المصابون بخلل مناعي وأورام، إلى ذلك تبلغ نسبة الوفاة بسبب جدري القرود العادية 3.6 % تقريبا، في حال كان مصدرها وسط وغرب إفريقيا، فيما قد تصل إلى 11% في حال كان مصدرها حوض الكونغو، موضحة أنّ الأمر الإيجابي في الحالات الموجودة اليوم في أوروبا وأميركا وأوستراليا وكندا حيث لم تسجّل أيّ حالة وفاة حتى الآن وانتهت الحالات بالشفاء التّام، على أنّ فترة المرض كانت اعتيادية من أسبوعين إلى 4 أسابيع والإصابات خفيفة إلى متوسطة.

كيف ينتقل الفيروس..

وكيف نتفادى الإصابة به؟

لا ينتقل الفيروس عادة بسهولة سواء من الحيوان إلى الإنسان أو بين البشر، بحسب شمس الدين، إلّا من خلال إحتكاك مباشر ولصيق بين المصابين، وذلك إمّا بالرذاذ التنفسي للمصاب أثناء الكلام أو العطس أو السعال أو غيرها، أو بملامسة الحبيبات الممتلئة بالفيروس والتقصير بتعقيم اليدين ووضعهما على الأنف أوالفم أو العين.

فيما سبل الوقاية تتركّز دوما على ارتداء الكمامة، والإبتعاد عن أي شخص مصاب، وعدم التواجد بأماكن الإكتظاظ، وعدم التلامس والإحتكاك الجسدي مع المصاب، واللقاح.

وتلفت شمس الدين إلى أنّ لقاح الجدري العادية فعّال بنسبة تصل إلى 85%، لكن لا توجد كميات كبيرة منه، وإحدى الخطوات الوقائية هي تأمين جرعات اللقاح بالقدر الممكن، موضحة أنّه ليس على الجميع تناوله، فنحن لم نصبح بعد على أبواب جائحة، ويجب أن يعطى خاصة للعاملين الصحيين، المسنّين، ومن لديهم شخصا مصابا، لافتة إلى أنّه إذا لم يمنع الإصابة فإنّه سيخفّف من حدّة الأعراض، مضيفة أنّه غير متوفر حاليا في لبنان، كما في دول متقدمة كثيرة.

واشارت شمس الدين الى أنّ لا حاجة لإعطاء الأدوية للإصابات الموجودة حاليا، لأنّها خفيفة ومتوسطة وتتماثل حميعها للشفاء، ولفتت الى أنّه ليس هناك دواء محدّد لجدري القرود قيد الإستعمال، إذ ممكن أن يعطى المصاب مضادات مناعية، كما تجرى دراسات على علاجات أخرى.

عراجي : لا إصابات

«جدري القرود» في لبنان

في السياق، صرّحت مديرة قسم الإستعداد الدولي للمخاطر المعدية في المنظمة سيلفي برياند، في عرض خلال جمعية الصحة العالمية بجنيف حول الانتشار «غير المألوف» للفيروس: «لا نعرف ما إذا كنا نرى فقط قمة جبل الجليد». وأضافت: «الخبراء يحاولون تحديد سبب هذا الوضع غير المعتاد، وتظهر النتائج الأولية عدم وجود طفرة أو تحور في فيروس جدري القرود». وتابعت: «لدينا فرصة سانحة لوقف التفشي الآن.. إذا اتخذنا الإجراءات الملائمة الآن يمكننا على الأرجح احتواؤه بسرعة».

لبنانيا، نقلت وسائل إعلام عن المتخصص في طب الأسرة والأمراض المزمنة الدكتور محمد فهمي خرّوب، قوله إنه «عاين حالة من جدري القرود في لبنان ولديه عوارض». وأضاف أن «هناك حالة ثانية من جدري القرود في جنوب البلاد بعد وصولها من إفريقيا»، لافتاً إلى أن «فحص PCR جدري القرود غير موجود في لبنان، كما أنه لا لقاح له ولا علاج، والوقاية ضرورية جداً».

هذا في وقت نفى لـ «الديار» رئيس لجنة الصحة النيابية النائب الدكتور عاصم عراجي وجود إصابات جدري القرود في لبنان لغاية الآن، لافتا الى أنّه لم يصدر عن وزراة الصحة بيان بأنّ أحدا من الأطباء أو المستشفيات أبلغ عن حالات جدري القرود.

أمّا لماذا يقلق الأوروبيون والأميركيون من الفيروس رغم عدم خطورته نسبيا مقارنة بفيروس كورونا، يرى عراجي أنّ ذلك يعود إلى اكتشافهم إصابات لأشخاص لم يذهبوا الى أفريقيا أو احتكوا بمصابين، وأنّهم استغربوا كيف وصلت الإصابات إليهم.

هل «جدري القرود» قابل للتحوّر؟

وفق عراجي تحاول كلّ الدراسات اليوم دراسة ما إذا كانت نمطية جدري القرود تغيّرت وحصل تغيير بالفيروس، لافتا إلى أن منظمة الصحة العالمية تنفي أيّ تحوّر في الفيروس، متطرقا إلى العوارض وهي الحرارة والحمّى وألم العضلات والطفح الجلدي الأحمر الذي يكون ممتلئا بالماء ومن ثمّ بالقيح، إضافة إلى تضخّم الغدد الليمــفاوية، فيما نسبة خطورته متدنية مقارنة بالجدري العادية وكورونا السريع الإنتشار والذي يتحوّر عدّة مرّات، فيما أهم ما في العلاج هو عزل المصاب والتعقيم الشامل واستعمال بعض المضادات الحيوية، أمّا الوقاية فتشمل وضع كمامة، والإبتعاد عن المصابين، وفيما خصّ اللقاح فهو نفسه الخاص بالجدري العادية، مضيفا أنّ شركة موديرنا أصدرت مؤخرا بيانا أعلنت فيه بأنّها تحاول تصنيع لقاح لجدري القرود.

كما لفت عراجي الى أنّه لدينا صعوبة في حال أصبح لدينا إصابات نظرا لانهيار القطاع الصحي مطمئنا في المقابل أنّ انتشار الفيروس محدود جدا ولا خوف من انتشاره بشكل كبير مثل كورونا، ويفترض أن تتّخذ الدولة والمصابون إجراءات، خصوصا أولئك القادمين من أفريقيا والمناطق الموبوءة، ويجب أن يبلّغوا في حال أصيبوا بأعراض الفيروس، معتبرا أن لا داع للقلق وأنّ الناس لا تزال خائفة من أي كلمة اسمها وباء وأصبح فوبيا بعد كورونا بأن أي وباء سيكون مثلها، مطمئنا ختاما بأنّ هناك اختلاف كبير فكورونا سريع الانتشار ونسبة وفياته أكثر.

خلاصة القول... لا تزال الصورة ضبابيّة حول ما يخبّئه لنا هذا الفيروس رغم التطمينات العالمية، وحتّى يتبيّن لنا الخيط الأبيض من الأسود، فإنّ الحقيقة المؤكدة أنّنا في عصر الأوبئة الشاملة: الأخلاقية والإقتصادية والمالية والتربوية والصحيّة والإجتماعية، والسبب هو الإنسان، العلّة والمعلول في آن، والذي يدفع ثمن الخلل الذي أحدثه في توازن الطبيعة النباتية والحيوانية والبشرية، بدءا بالثورة الصناعية مرورا بالقنابل الذريّة وصولا اليوم إلى الحروب البيولوجية، وما ينتظرنا لهو أعظم!

الأكثر قراءة

لا تغيرات كبيرة في المشهد الرئاسي اليوم... والعين على موقف باسيل عطب كبير يصيب «الحزب» و«التيار»... وبري وميقاتي وجنبلاط لن يتراجعوا الراعي يلتقي ملك الاردن ويوجه كلاما لاذعا الى المسؤولين اللبنانيين