اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع فقدان لبنان لاجياله التي تهرب مهاجرة، لا يخاف الأهالي على اولادهم من الفشل كونهم خريجي المدرسة الرسمية ذائعة الصيت في لبنان، ولكن يخافون على لبنان من دونهم، فأين أصبحت هذه المدرسة اليوم مع كل ما يتخبط به اللبنانيون؟

«الديار» اتصلت برئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي نسرين شاهين للوقوف على تفاصيل الوضع، حيث رأت أن التعليم في لبنان اليوم بشكل عام يعيش أكبر أزمة تربوية في تاريخه لم يشهدها حتى أثناء الحرب الأهلية والحروب المتراكمة التي مرت على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بالنقص الحاد الحاصل على كافة الأصعدة علماً أنه وفي حينها كانت المناهج تستكمل رغم الحضور المتقطع ولذلك هذه الأيام هي الأصعب والأسوأ.

شاهين رأت أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة انما هي نتيجة تراكمات بدأت منذ ما بعد الحرب وتوقف حضور الاساتذة وبدأ مبدأ التعاقد بالتجذر في القطاع التعليمي وفي القطاعات الأخرى في لبنان بشكل عام، لا سيما عندما أخذ السياسيين في لبنان على عاتقهم حمل هم الملف التربوي والتعليمي، ولكن ما حصل كان فكفكة الأسس الخاصة بهذا القطاع عبر إرساء مبدأ الزبائنية في تعيين الاساتذة في القطاع الرسمي من خلال التعاقد، ومن هنا بدأت المشكلة بالتراكم حيث كان مطلوب إدخال مجموعة من الاساتذة إلى الملاك كل فترة وفق الحاجة لهم وهو ما لم يحصل منذ عام ٢٠١٠ حين حصلت أخر دورة ولم يسمح بها للمتعاقدين بعد عام ٢٠٠٥ بالمشاركة، وبالتالي من تعاقد منذ ٢٠٠٥ إلى ٢٠٢٢ أمضى ١٧ سنة دون تثبيت، وبالتالي كل من إستلم الحكم ووزارة التربية في هذه السنوات مشارك بالتقصير والخطأ الحاصل والفساد المستشري علماً أن كافة الاحزاب الحاكمة شركات في إستلام وزارة التربية على مدى هذه الاعوام وبالتالي قامت بنخر عظم التعليم الرسمي في لبنان وصل عدد المتعاقدين إلى ٢٠٬٠٠٠ أستاذ وتفرع منهم عناوين أخرى بدل المتعاقد، كالإجرائي الذي لم تتمكن الوزارة من تحمل تكليفه فتم وضعه على بند رسوم لا على بند رواتب، ومن بعدها خرجت بدعة ما يعرف «بالمستعان بهم» إبان تنفيذ برامج تعليم اللاجئين السوريين وصل عددهم إلى ٢٥٠٠ أستاذ قبل الظهر و١٢,٠٠٠ أستاذ بعض الظهر، وهو كله لم يكن سوى تراكمات بسبب عدم إيجاد مصادر لتمويل الاساتذة ولكن دون الإلتفات إلى نتائج إدخال اساتذة إلى القطاع الرسمي بتسميات مختلفة ودون أي معايير واضحة وبالتالي تفريغ الملاك من كوادره حد بلوغ ٣٠٪ فقط مقابل ٧٠٪ للمتعاقدين.

شاهين تحدثت عن ضرورة إيجاد حل وتثبيت الاساتذة بعد كل هذه السنوات بهدف حصولهم على حقوقهم وممارسة واجباتهم بشكل كامل، وبالتالي ضبط الخلل الذي يحصل خلال العام الدراسي عادة والذي يتسبب بتنفير الطلاب والمجتمع من المدرسة الرسمية والتوجه نحو الخاصة علماً أن الأعداد في الفترة السابقة كانت تبشر بالإيجابية كونها ارتفعت لناحية الطلاب القادمين من مدارس خاصة مهمة، ولكن حالياً عاد القلق لدى الأهالي مع كثرة إضرابات الاساتذة في المدارس الرسمية وتوقف المناهج عن التجديد منذ العام ١٩٩٧ مقابل دفع المليارات من الدولارات من قبل الجهات المانحة ولكن بقي التوجه نحو مراكمة المشكلة، وما زاد الطين بلة كان إنتشار وباء كورونا وإنطلاق الثورة في ٢٠١٩ وما تبعه من إقفال للمدارس بسبب المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والصحية وغيرها التي انفجرت في البلد والتي اظهرت ضعف القطاع التربوي أمام هكذا مشاكل والذي ظهر جلياً عندما بدأ التوجه للتعليم عن بعد خصوصاً مع غياب أبسط المقومات في البلد من مياه وكهرباء وهو ما تسبب بمعاناة كبيرة للطلاب مع بدئ تنفيذ المشروع علماً أنه لم ينجح في البداية وكانت تتم المحاولة فقط من أجل إبقاء الطلاب في أجواء الدراسة والمدرسة وبالتالي يمكن القول أن الفترة هذه تكللت بالفشل، ومن بعدها كانت مرحلة التعليم المدمج والتي أدت إلى شرذمة أكبر حيث إبتدع، وفق شاهين، وزير التربية حينها طارق المجذوب بدعة خفض العام الدراسي من ٣٤ أسبوع إلى ٢٦ أسبوع وقسمته على مجموعتين من الطلاب للتعلم حضورياً وهو ما شكل كارثة للطلاب على الصعيد التربوي وللاساتذة على الصعيد المعيشي كونهم كانوا يعملون كمياومين وبالتالي انخفضت رواتبهم إلى النصف وحتى أكثر في بعد الأحيان خصوصاً لمن كان يعلم شعبة واحدة.

إضافة إلى كل ما سبق ذكره، تتابع شاهين سرد المشاكل المتعددة التي ترافق هذا القطاع، إذ أنه وبعد أن كانت تبلغ قيمة الساعة الواحدة من التعليم ٢٠٬٠٠٠ ليرة لبنانية، أي ١٣ دولار أمريكي و التي هي أساساً كانت تعتبر قليلة جداً علماً أنها لم تكن مرفقة بأي مخصصات كبدل نقل أو راتب شهري كونها كانت تقبض كل ٧ إلى ٨ أشهر تقريباً بالإضافة إلى غياب الضمان الإجتماعي، باتت بعد الإنهيار اليوم تبلغ الساعة الواحدة دولارا واحداً وبضع سنتات فقط لا غير علماً أنه من بعد الإضرابات المتكررة، نجاح المتعاقدين برفع كلفة الساعة إلى ٤٠٬٠٠٠ ليرة لبنانية.

وعن باقي الحقوق تقول شاهين أن المتعاقدين لم يحصلوا على أي منها لكي تكون سبب كاف للعودة إلى العام الدراسي، كما أن شاهين القت باللوم على رابطة الاساتذة المتعاقدين التي وصفتها بالفاشلة والمسيسة والتي اوصلت القطاع التعليمي إلى ما وصل إليه بسبب عدم اقدامها على إتخاذ أي قرار والاكتفاء بالتصفيق للاحزاب والاصطفاف بجانب الوزير ورمي الوعود الفارغة، بينما إستطاع الاساتذة وحدهم رفع بدل النقل إلى ٤٠٬٠٠٠ ليرة لبنانية وإيصال الصوت إلى الوزير بالمطالبة بعقد كامل كحق من حقوق المتعاقدين حيث تحدث عن حوافز بأن البنك الدولي قد تبرع ٣٧ مليون دولار تقسم إلى مساعدة إجتماعية بقيمة ١٨٠ دولار حوافز شهرية بقيمة ٩٠ دولار تحسب نسبياً وفق الحضور، ولكن ما حدث فعلياً منذ بدئ العام الدراسي الحالي أن نصف الاساتذة تقاضوا هذه الحوافز مدة شهرين فقط والنصف الأخر لم يتقاضاها، بينما المساعدة الإجتماعية تقاضاها أشخاص دون أشخاص اخرين بينما بقيت المستحقات لا تتخطى الدولار وبضع السنتتات مع الإنهيار المتواصل لليرة.

شاهين هاجمت مدير عام وزارة التربية الأسبق فادي يرق الذي، ووفقها، قد توظف لدى اليونسكو ليستفاد من خبراته على حد تعبيره بينما الدمار الكامل للاساتذة كان على أيام وجوده في الوزارة والوعود الفارغة التي واضب على تقديمها لهم دون أي شيئ فعلي يذكر على الأرض بالتزامن مع الإضرابات المتكررة واصراره على غض النظر عن المواضيع الملحة المتعلقة بالقطاع، أو حتى العمل على أي خطة تتمتع بتمايز عن سابقتها لتخطي الأزمات إلى أن تدخل الوزير الحلبي و شدد على يرق تنفيذ موضوع بدلات النقل قبل رحيله إلى أن حصل أخيراً، دائماً وفق شاهين.

وفي سياق متصل تتحدث شاهين عن مشكلة أخرى وهي أن الاساتذة «المستعان بهم» تدفع لهم اليونيسيف مستحقاتهم عادة، وما يحصل الان أنها تقول أنها قد سددت الرواتب، بينما الوزارة تقول أنها لم تتقاضى شيئ وهو ما يضع الجميع في حيرة عن مصير الأموال ويطرح تساؤل عن أن تكون اليونيسيف لا تقوم بالدفع وهو ما تستبعده شاهين علماً أن مستحقات الاساتذة الذين يتعاملوا مع اللاجئين يتقاضوا اتعابهم بالدولار بينما في لبنان تحسب بالليرة وعلى سعر منخفض جداً وهم لم يتقاضونها بعد، وتتساءل «هل نقوم بتعليم اللاجئين السوريين مجاناً؟»

بعد كل ما ذكر، تقول شاهين أن المعركة الأخيرة كانت مع إقرار العقد الكامل الذي كان يؤمل من الوزير طارق المجذوب اقراره في المجلس النيابي، إلى أن أتى الوزير الحلبي والذي اجتمعت به شاهين نفسها وطالبته باقراره فقام بالفعل باقراره ولكن لمتعاقدي الثانوي فقط دون عن اساتذة التعليم الأساسي الذين يبلغون حوالي ٢٠٬٠٠٠ أستاذ دون أي تبرير لم حصل سوى أن الاعتمادات المخصصة والمستحقات قد صرفت وبعضها يلف مصيره الغموض، وبالتالي من لا يذهب من الاساتذة اليوم إلى المدارس ليس من باب لا الإضراب ولا التمنع انما بسبب عدم حيازتهم للمال وعدم تقاضيهم اتعابهم، ومن يذهب انما يذهب بما تقاضى من فتات، والبعض الأخر يعاني من إذلال كي يحصل قوته اليومي.

وفي الحديث عن كارثة تربوية كبيرة أخرى، تقول شاهين أن الإمتحانات الرسمية سوف تشهد تغيب للاساتذة عن المراقبة خصوصاً أن العائد هو ١٦٠٠٠٠ ليرة يومياً وهو لن يقنع أحد بالعمل ليوم كامل مقابله علماً أنه سوف يصرف بدل مواصلات فقط، ولكن ما حصل أن الوزير قام باللجوء إلى مرسوم ٩١٨٩ والذي يجيز الإستعانة باساتذة التعليم الخاص وهو ما وصفته شاهين بالكارثة إذ أنه يتم بهذا الشكل خصخصة الإمتحانات الرسمية التي كان طول عمرها تتم في كنف المدرسة الرسمية وزارة التربية وهو ما يميز المدرسة الرسمية خصوصاً أن الاساتذة في التعليم الرسمي يخضعون للتفتيش التربوي وهو ما لا يمكن الإستعادة عنه باساتذة التعليم الخاص الذين يغرونهم اليوم بالمراقبة كنوع من التمييز ولكن بالفعل ما هو إلا محاولة لتغطية النقص من اساتذة التعليم الرسمي بالإضافة إلا الإستعانة باساتذة «المستعان بهم» واللذين كانوا محرومين من الحق بالمراقبة وباتوا اليوم يتمتعون به ولكن بأسلوب معيب وفق شاهين دائماً خصوصاً أنهم كانوا يدعونهم باساتذة لاجئين وبأن حقوقهم هي لدى اليونيسيف فقط، وهو ما تحمل به المسؤولية لوزير التربية والمدير العام المؤتمنين على المدرسة الرسمية.

في الختام، تحدت شاهين الوزارة أن يسمحوا للاساتذة المتعاقدين بلقاء الجهات المانحة والشرح لهم عن معاناتهم وعن كيفية هدر الأموال في دعم المصالح الشخصية والاستزلام السياسي داخل الوزارة دون أن ينعكس أي نتيجة إيجابية في المدارس أو أن يطرح للتدقيق بشكل كامل عن مصير الهبات، وغير ذلك فإن ما يحدث هو قضاء على المدرسة الرسمية وتلاعب بمصير ٣٦٪ من طلاب لبنان، علماً أن الاعتمادات تؤخذ وتصرف لصالح مدارس أرباب الطوائف المجانية في لبنان والتي يتم تحويلها إلى مدارس غسل دماغ ومعسكرات طائفية على حساب حرمان المدرسة الرسمية والمواطنين من أن يثقوا بها ويأتمنوا ابنائهم عليها عوضاً عن دفع مبالغ طائلة في المدرسة الخاصة، كما ألقت اللوم على اللجان التربوية التي رفضت مبدأ التثبيت إلا بشرط ٦ و٦ مكرر دون تقديم أي شيئ حقيقي وجيد للتعليم الرسمي لا بل عملت للخاص بشكل فاضح وأكبر دليل على ذلك أخر ما تم اقراره في مجلس النواب عن ٥٠٠ مليار دعم للقطاع التعليمي أعطي التعليم الرسمي منها ١٥٠ فقط علماً أنه لا يشكل الثلث وتساءلت عن سبب إعطاء أكثر من الضعفين إلى التعليم الخاص منوهة إلى أن ذلك قد يكون حدث بسبب أن مصلحهم تتلقى مع أرباب هذه المدارس التي وصفتها بالطائفية والتسيس والنفوذ الكبير. 

الأكثر قراءة

الإنتخابات الرئاسيّة في «كوما المونديال»... جمود يستمرّ الى ما بعد رأس السنة مفاعيل الدولار الجمركي: الأسعار ترتفع بين ٢٠ و٥٠٪ بعد أيام مخاوف من تفلّت أمني... وإجراءات مُشدّدة قبل الأعياد