اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

على وقع الوعود بصيف مميزّ جداً في لبنان، يتهافت المغتربون بحثاً عن تذكرة طائرة تقلّهم إلى الوطن ولو لبضع اسابيع، بعد مرور ثلاث سنوات عجاف من الأزمات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، إلى الإقفال العام وتقييد حركة السفر، فإنفجر هؤلاء شوقاً وحماساً للقدوم، وهو ما بات من الممكن استشعاره وحتى ملاحظته بمجرد التجول في الطرقات أو المراكز التجارية أو المواقع الجاذبة سياحياً، فماذا يقول هؤلاء، ولماذا أتوا إلى بلاد تتخبط في أزمات خانقة، وتعيش تحت تهديد حرب محتملة قد تقع في أي لحظة؟

هاني الكردي، شاب بيروتي كان من المحظيين الذين حصلوا على عرض عمل في دبي في بداية الأزمة الإقتصادية في لبنان في خريف عام 2019، حزم امتعته ودع والديه واشقاءه الثلاث وذهب لبناء مستقبل خاف عليه في لبنان. الكردي وصل دبي في الشهر التاسع من عام 2019، وما لبثت من بعد ذلك أن انطلقت «الثورة» في لبنان، فيقول لـ «الديار» «وددت من كل قلبي، لا بل بكيت في السر، كي اتمكن من العودة إلى لبنان والنزول إلى الشارع والمشاركة في العظمة التي كانت تحصل حينها، ولكن كنت موظفا جديدا، وعقدي يمنعني من الإجازة أو العودة إلى البلاد بلا سبب مقنع»، هذه الغصة التي بقيت في قلب الكردي ابتلعها حتى هذا الصيف، فهو مر بخيبات امل متكررة من تراجع وتيرة ونبض «الثورة» كما يقول، ومن نتائج الإنتخابات التي لم تحدث تغيير ملموس برأيه. عاد هذا العام من أجل أهله فقط، من أجل أن يراهم ويدعمهم مادياً بشكل مباشر، لا عبر شركات نقل الأموال والبنوك التي تنهب جزءا كبيرا مما يرسله إلى أهله كما يقول. عاد ليتذوق طعام والدته، ويحتسي القهوة مع والده ذات مغربية صيفية حارة على شرفة منزله في بيروت. «اشتقت لرطوبة بيروت، كل شي مميز هون، حتى الفوضى خلاقة!»

وعما إذا أثرت به الحملات الإعلانية المشجعة للعودة إلى لبنان، إعتبر الكردي أنه من المؤسف أن نستفيق الآن إلى جمال هذا البلد، فمع كل الدمار القائم والمستمر والمستفحل، ما زال لبنان قادر على ابهار ساكنيه وزائريه، وهو ما حصل مع صديق الكردي الاماراتي الذي رافقه في رحلة إستجمام قصيرة إلى لبنان، وأمضى أربعة أيام لم يتوان بها لحظة واحدة عن تعبيره عن مدى صدمته بجمال وفرادة لبنان، وهو الذي يزوره للمرة الأولى.

وفي المقلب الآخر، عائلة لبنانية مغتربة أخرى، ولكن على العكس من الكردي، فعلي سرور ترك لبنان في منتصف التسعينيات وهاجر مع زوجته إلى أوستراليا، ليعود اليوم إلى لبنان مع أربعة أولاد بالكاد يتكلمون العربية، ولكن بلكنة لبنانية واضحة. سرور شرح أن أكثر ما منعه من العودة إلى الوطن في السنوات الخمس والعشرون الماضية، هو تكلفة التذاكر المرتفعة، وعدم قدرته على التنقل بين لبنان وأوستراليا بشكل دائم، لهذا السبب، وهو الذي ذهب شاب يانع يحاول الوقوف على قدميه وتأسيس عائلة قادرة على الحصول على كل ما تتمنى، حرم نفسه وزوجته من الإجتماع بعائلاتهم في لبنان، إلى أن اتته الفرصة هذا الصيف وإستطاع حجز ستة تذاكر بدل من إثنين، مندفعاً بحماس عارم سيطر عليه منذ بداية الربيع ورواج الصفحات التي تعكس صور عن مدى جمال طبيعة لبنان، وهو ما لا يتذكر أنه قد تسنت له الفرصة من قبل وزار هكذا أماكن.

سرور يعتبر أن زيارته الى لبنان لا ليتعرف أولاده على لبنان فحسب، بل كذلك ليتعرف هو وزوجته عليه، فلبنان بنظره إختلف كثيراً منذ رحيله، وخلع عنه ثوب الحرب البشع «كنا بعد الحرب كيف ما نبرم نحس كل شي رمادي، مش عم صدق أديش في مطارح حلوه لازم نلحق نشوفا كلا». سرور يرفض حتى التصديق أن الحرب قد تقع مجدداً في لبنان، ويؤمن أن اللبنانيين قد تعلموا من التجربة، وهو ما يلمسه في تحركاته في البلاد دون أي عوائق، كما أنه عبّر عن عدم مبالاته بالتهديدات «الإسرائيلية» للبنان، ويعتبر أنه لو كان هناك من خطر ما، لكان تلقى إشعارا من السفارة الأوسترالية بذلك لكونه يحمل الجنسية أيضاً.

إذا، تنوعت دوافعهم بإختلاف سنين غيابهم، ولكن على الرغم من ذلك عادوا، عادوا بإيمان أو بشغف أو بإشتياق أو بتلبية حاجات أهلهم، إلا أنهم عادوا! فهل سوف يتم احتضانهم خوفاً من مصير يشبه مصيرهم بالغربة، أم أنه سوف يُنظر اليهم على أنهم «دولارات فرش» ويجب الإستفادة منهم؟ حبذا لو يجدون الحب الذي بفقدانه رحلوا، وهم لن يتوانوا عن سداد ذلك بـ «الفرش» واللبناني معا.  

الأكثر قراءة

الإنتخابات الرئاسيّة في «كوما المونديال»... جمود يستمرّ الى ما بعد رأس السنة مفاعيل الدولار الجمركي: الأسعار ترتفع بين ٢٠ و٥٠٪ بعد أيام مخاوف من تفلّت أمني... وإجراءات مُشدّدة قبل الأعياد