اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ليتنا كنا مجانين ـ يا دولة الرئيس ـ على الأقل نرفع قبضاتنا، أصواتنا، في وجه تلك الأوثان التي تطبق على صدورنا، وعلى ظهورنا، ولا نكون الموتى حين لا يهزنا حتى وقع أقدام من يطأون قبورنا أو يطأون جثثنا.

جثث من الطراز الرفيع. لا نستيقظ الا عندما ينفخ بعضهم في أبواق الطائفية. هكذا تشتعل النيران في رؤوسنا (تماماً كما عيدان الثقاب)، ثم ننطفئ أمام الأفران الفارغة، أو أمام محطات الوقود التي تعيدنا الى زمن الطنابر، أو أمام صناديق الاقتراع لنوارى الثرى وقوفاً...

أبوابنا مشرعة أمام كل أنواع الغزاة، غزاة منتصف الليل، وغزاة منتصف النهار، ما دمنا عراة حتى العظم. بعضنا ـ دون عنصرية ـ يقول «لم يعد ينقصنا سوى أن تتدخل سريلانكا أو تتدخل بنغلادش». الدعوة مفتوحة...

ابان احتدام الأزمة في سوريا، سأل سيرغي لافروف نظيره الأميركي جون كيري عن شكل النظام البديل الذي تسعى اليه المعارضة. وعد بالرد في غضون اسبوعين، قبل أن يتبين له أن الصراعات بين فصائل المعارضة أشد هولاً بكثير من صراعها مع السلطة. أقفل الملف..

لن نعود، ثانية، الى وصف الوزير البريطاني و. تومسون لنا، في كتابه «الأرض والكتاب» (عام 1860)، بكوننا كوكتيل من الكراهيات. عاجزون عن حكم أنفسنا، صدورنا مشرعة لكل أشكال القناصل. هكذا نحن فعلاً. مشكلتنا أن النظام سقط بالضربة القاضية. المنظومة الحاكمة سقطت، بدورها، بالضربة القاضية. ولكن، بتفرقنا، وتبعثرنا، على كل الخنادق، لا نستطيع لا انتاج النظام البديل ولا المنظومة البديلة.

في هذه الحال، يفترض بنا أن نبقى في قبورنا (مرة أخرى ليتنا كنا في العصفورية)، الى أن تحل المشكلة الأوكرانية، وربما الى أن تغزو الصين تايوان. ربما أكثر الى أن يعاد احياء الاتفاق النووي الذي تخطاه الأميركيون بعقوباتهم، وتخطاه الايرانيون بأجهزة الطرد المركزي.

الكل يعلم أن هناك جهات اقليمية، ودولية، أعطت تعليماتها «لا حكومة الى أن يغادر ميشال عون القصر حافياً». هكذا بالحرف الواحد. نصيحة سفير عربي، متخلياً عن ابتسامته التقليدية بضحكة مجلجلة، بأن يلتحق بسعد الحريري، أو بأمرئ القيس، للبكاء على الأطلال.

بات جليّاً ما هو موقف صاحب السعادة. لا رئيس جمهورية، بالتبعية السياسية للخط الذي انتهجه عون. رئيس آخر، ورأس آخر. لعلكم أدركتم أي نوايا وراء طرح أحدهم اسم العماد جوزف عون. لن ندخل في التفاصيل لحساسية الرجل ولحساسية الموقع.

صهر صاحب الفخامة على دراية باستحالة انتخاب الرئيس الرابع عشر أثناء المهلة الدستورية أو بعد نفاد هذه المهلة. لذلك يريد تمديد العهد (العهد الذي في حالة الموت السريري) بزرع أحصنة طروادة داخل الحكومة والا لا حكومة. بشكل أو بأخر يلتقي مع من يسعون الى تعرية الجنرال حتى من ورقة التوت.

لبنان اعتاد على هذا النوع من الأزمات الدستورية، وقد باتت جزءاً من تراثنا السياسي. لكننا أمام أزمة بنيوية تفترض وجود من يتولى ادارتها في هذه الظروف القاهرة، القاهرة للبنانيين بالدرجة الأولى.

توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي يبدو، بكل ويلاته، الباب الخلفي للبقاء (بقاء الدولة). وتوقيع الاتفاق الخاص بترسيم الحدود البحرية، والمباشرة بالتنقيب، بالتالي استخراج الغاز كبوابة للخلاص.

حتى اللحظة الدوران داخل الحلقة (والحلقات) المفرغة. شئنا أم أبينا، الطبقة السياسية تلفظ أنفاسها الأخيرة، ما دامت القوى المؤثرة ترى فيها «اللعنة الاغريقية»، كما وصفها جورج مالبرونو. الصيغة تناثرت. في الأروقة الديبلوماسية حديث عن حاجة لبنان الى مؤتمر دولي لاعادة تركيب الدولة، ولتحديد شكل (وفلسفة) السلطة.

اذاً، ماذا يفعل الرئيس ميشال عون في القصر؟ وماذا يفعل الرئيس نجيب ميقاتي في السراي؟ نواطير المقبرة. لكن الذين فشلوا في حماية الأحياء هل بوسعهم حماية الموتى؟ الموتى لا المجانين. المقبرة لا العصفورية. يا دولة الرئيس «ع المقبرة وصّلني بايده وما طل عليّ..»

اعتذارنا لصباح الباقية في قلوبنا، ما تبقى من قلوبنا، كرمز لحياتنا، لما تبقى من حياتنا... 

الأكثر قراءة

أعنف ردّ للاشتراكي على المنتقدين لجنبلاط واجتماعه بحزب الله : ما زالوا في الماضي العريضي لـ «الديار» : جنبلاط طرح إمكان المجيء برئيس للجمهورية لا يشكل تحدياً لأحد إدارة ١٤ آذار للملفات هي الأسوأ والبعض يريد الحلول على «الساخن»