اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بعد تصفيات ماكس فيرشتابن الصعبة التي تركته في المركز العاشر على شبكة انطلاق سباق جائزة المجر الكبرى، لم يتوقّع الكثيرون أن يُحقّق الهولندي فوزه الثامن في موسم 2022. لكنّ ذلك ما حدث بالضبط في الوقت الذي حوّلت فيه فيراري مركزيها الثاني والثالث إلى رابع وسادس عبر استراتيجيّة صادمة كلّفت شارل لوكلير المزيد في المعركة على اللقب.

وعندما يضحك الفريقان الكبيران المنافسان على خياراتك الاستراتيجيّة، فمن الواضح أنّ خطبًا ما يجري. ذلك ما حدث في غرفة استراحة السائقين في المجر الأحد الماضي، وذلك أثناء مشاهدة ثلاثيّ منصّة التتويج لمختصر أحداث السباق.

بدا الوصيف لويس هاميلتون متفاجئًا بعض الشيء عندما سأل فيرشتابن للتأكّد: "هل كانوا على إطارات هارد؟" وأكّد له الفائز ذلك، في الوقت الذي لم يُخفِ فيه جورج راسل صاحب المركز الثالث ابتسامته حيال ذلك.

جاء هذا الثلاثي بعد سباقٍ جاف لم تدخل فيه سيارة الأمان لتقريب السائقين من بعضهم. انطلق ثنائيّ فيراري من المركزين الثاني والثالث، في حين اصطفّ سائقا ريد بُل في المركزين العاشر والـ 11، بل انزلق فيرشتابن أثناء السباق والتفّت سيارته بشكلٍ كامل. بالرغم من ذلك لم يتمكّن ساينز ولوكلير سوى من عبور خطّ النهاية في المركزين الرابع والسادس تباعًا على بُعد 15 ثانية عن الهولندي الفائز.

وفي حين أنّ النتائج لم تسر على الدوام لصالحها، فإنّ متطلّبات حلبة بودابست عالية الارتكازيّة دائمًا ما تلاءمت مع سيارات ريد بُل في أغلب النسخ. لكنّ تلك الأفضليّة انتهت في هذه النسخة على الورق بالنظر إلى تلاؤمها مع خصائص سيارة فيراري.

وبالفعل كانت سيارة "اف1-75" الأسرع على صعيدي اللفّات القصيرة والمسافات الطويلة في محاكاة الجمعة، التي لم يختبر أيٌ من الفريقين فيها إطارات "هارد". قال فيرشتابن آنذاك: "فيراري أمامنا قليلًا... سيكون من الصعب علينا التغلّب عليها".

وتفاقمت تلك الصعوبات في القسم الثالث من التصفيات عندما عانى الهولندي من فقدان للطاقة أدّى إلى انطلاقه من المركز العاشر.

وبشكلٍ مؤثّرٍ للغاية أكثر ممّا بدا عليه للوهلة الأولى، فإنّ ضعف انعطاف فيرشتابن وخروجه عن المسار في المنعطف الثاني أثناء لفّة توجّهه إلى شبكة الانطلاق كانت له أهميّة بالغة. وذلك نتيجة معاناته للتمتّع بالتماسك حتّى بالرغم من تواجده على إطارات "سوفت".

أقدمت ريد بُل حينها على تغيير جذريًا. فعوضًا عن التمسّك بما تُشير عليه البيانات، اتّبع طاقم الاستراتيجيّة في الفريق ما تمليه الظروف على أرض الواقع. كانت درجات الحرارة منخفضة للغاية وكان هناك تهديد الأمطار، لذا استمع الطاقم لسائقَيه وارتجل. كانت خطّة الفريق الأصليّة تقضي بالانطلاق على إطارات "هارد" والبقاء لفترة طويلة.

في المقابل كان على فيراري التركيز على راسل سائق مرسيدس المنطلق من المركز الأوّل. كان تركيز فيراري الوحيد على الفوز. كان التقدّم على سيارة "دبليو13" السبيل الأفضل لتحقيق أكبر ضررٍ لصدارة ريد بُل، وذلك عوضًا عن استهداف الحظيرة النمسويّة تحديدًا عبر تفضيل لوكلير عبر أوامر الفريق.

لذا عوضًا عن فصل استراتيجيّتَي سائقيها عبر وضع أحدهما على "سوفت" للانقضاض على البريطاني مباشرة، انطلق كلاهما على "ميديوم".

واستغلّ راسل في المقابل إطاراته الألين ليُقدّم انطلاقة قويّة. تحرّك إلى اليمين ليُجبر ساينز على اتّباع الخطّ الخارجي في المنعطف الأوّل، وفي حين أنّ سائق فيراري تقدّم لوهلة أمامه، إلّا أنّ سائق مرسيدس كان قادرًا على التسارع أبكر والحفاظ على الصدارة.

وربّما كانت الأمطار الوشيكة من بين الأسباب وراء قرار انطلاق راسل على "سوفت".

وتهاطلت الأمطار بالفعل في المناطق المحيطة بالحلبة، لكن بشكلٍ حرجٍ فإنّ المسار بقي جافًا. لذا ومع بقاء لوكلير خلف زميله، فقد كانت سيارتا الحصان الجامح بانتظار استهلاك راسل لإطاراته.

وتطلّب ذلك حتّى اللفّة الـ 12. اتّسع الفارق بين المتصدّرين إلى 2.5 ثانية – بعد فترة سيارة أمان افتراضيّة قصيرة بسبب احتكاك أليكسندر ألبون وسيباستيان فيتيل وانتشار بعض الأشلاء على المسار. لكنّ سائق مرسيدس بدأ بالتراجع نحو ثنائيّ فيراري لاحقًا. كان ساينز ولوكلير قريبين من بعضهما، وكان على ساينز رفع وتيرته لتفادي تدخّل فيراري لمبادلة مركزيهما.

وبالرغم من تضييع الفرصة الأولى قبل الانطلاقة، كان لا يزال بوسع فيراري مجدّدًا فصل استراتيجيّتي سائقيها عندما طُلب من ساينز التوقّف في نهاية اللفّة الـ 16. لكنّه بقي على الحلبة كون راسل أمامه توجّه إلى خطّ الحظائر. حصل البريطاني على توقّفٍ بطيء بعض الشيء وعاد جنبًا إلى جنب مع فرناندو ألونسو ليتنافسا على المركز السادس. لكنّ البريطاني عبر بذكاء على الجهة الخارجيّة في المنعطفين الثاني والثالث ليحسم المركز لصالحه. كما توقّف فيرشتابن في ذات الوقت للانتقال إلى إطارات "ميديوم" جديدة هو الآخر.

استجابت فيراري في اللفّة التالية. استدعت ساينز ما ترك لوكلير أمام هواء نقي. وبشكلٍ مماثلٍ لما حدث في فرنسا، فقد كانت وقفة صيانة الإسباني بطيئة عند نقله إلى مجموعة أخرى من إطارات "ميديوم". خطأ آخر جديد على صعيد وقفات الصيانة بالنسبة لفيراري في 2022، لذا عاد الإسباني خلف مواطنه ألونسو.

لكنّ لوكلير بقي في الصدارة على الأقلّ، متقدّمًا بفارق 11 ثانية على هاميلتون خلفه – وذلك بعد أن تقدّم بطل العالم سبع مرّات على ثنائيّ ألبين عند الانطلاقة – قبل أن تستدعيه مرسيدس في اللفّة الـ 19.

لذا كان راسل قادرًا على التقدّم إلى المركز الثاني، لكن بفارق 19 ثانية عن لوكلير، بدا أصيل موناكو حينها متّجهًا لتقليص فارق الـ 63 نقطة بينه وبين فيرشتابن. حينها أظهر قرار فيراري بالانطلاق على إطارات "ميديوم" علامة أخرى على أنّ له نتائج عكسيّة.

وصل المنطلقون على إطارات "سوفت" حتّى اللفّة الـ 15 التي كان فيها انخفاض الأداء يعني ضرورة تغيير الإطارات، لكنّ المنطلقين على "ميديوم" كانوا محظوظين بإكمال 8 لفّات إضافيّة على أقصى تقدير. أجرى لوكلير توقّفه الأوّل في نهاية اللفّة الـ 21 منتقلًا إلى مجموعة أخرى من "ميديوم" ما أعاد الصدارة لراسل بفارق 3 ثوانٍ عنه. أمّا ساينز فقد كان على بُعد ثانية عن زميله، في حين كان فيرشتابن بصدد الاقتراب منه بشكلٍ تدريجي.

وما عدا ألبين التي خالفت الجميع عبر سعيها لاستراتيجيّة التوقّف الوحيد والانتقال إلى إطارات "هارد" وكذلك سيارتَي هاس، فإنّ الجميع كان على إطارات "ميديوم" في تلك المرحلة.

أظهرت سيارة "اف1-75" حينها قوّتها على حلبة هنغارورينغ. اقترب لوكلير سريعًا من راسل وبدء بكسب نظام "دي آر اس". أُجبر راسل على الدفاع، ومجدّدًا حشر سائق فيراري على الخطّ الخارجي.

لكنّ لوكلير نجح أخيرًا في تجاوزه في اللفّة الـ 31 بعد أن تحرّك من الخطّ الخارجي نحو الداخلي في المنعطف الأوّل عند نقط الكبح ليحسم المركز.

ابتعد لوكلير سريعًا مُعزّزًا الفارق بنسقٍ سريع ليصل إلى 5 ثوانٍ في الوقت الذي كان فيه ساينز وفيرشتابن في المركزين الثالث والرابع.

ومن ثمّ أجرى فيرشتابن توقّفه الأخير في اللفّة الـ 38. فبعد انطلاقه على إطارات "سوفت" وانتقاله إلى إطارات "ميديوم" مُوفيًا بشرط استخدام تركيبتين في السباق، كان بوسع هانا شميتز مسؤولة الاستراتيجيّة في الفريق اختيار ايٍ من التركيبات الثلاث المتاحة. اختارت مجموعة أخرى من إطارات "ميديوم". كان توقّف فيرشتابن سريعًا وكان بوسعه التقدّم على من ستيوقّفون بعده، وحثّه مهندسه قائلًا: "لا تزال هناك مسافة طويلة حتّى النهاية".

عاد فيرشتابن سادسًا في الوقت الذي أجرى فيه راسل توقّفه الثاني في اللفّة التالية. ومن ثمّ استدعت فيراري لوكلير للمرّة الثانية. وفي ظلّ عدم إمكانيّة الحفاظ على إطارات "سوفت" لتدوم 31 لفّة، فإنّ قرار الانطلاق على إطارات "ميديوم" ترك الفريق مكشوفًا أكثر. كان خياره الوحيد للبقاء على الحلبة من دون التوقّف مرّة ثالثة هو استخدام إطارات "هارد".

لكنّ أزمنة ألبين وهاس في المقابل أثبتت بدء تلك التركيبة. وقال لوكلير: "أوضحت للفريق أنّني أريد إطالة تلك الفترة قدر المستطاع على إطارات ميديوم. لكنّنا توقّفنا مبكّرًا للانتقال إلى إطارات هارد، وهو ما نحتاج لفهمه".

عاد سائق فيراري في المركز الثالث خلف هاميلتون الذي مدّد فترة بقائه على إطارات "ميديوم" قدر الإمكان، وخلف ساينز كذلك. لكنّ إطارات بيريللي القاسية أثبتت سوء اختيارها فيما يتعلّق بتوليد الحرارة فيها.

ترك ذلك لوكلير عرضة لخطر فيرشتابن الذي قال لاحقًا: "لاحظت أنّ شارل يُعاني كثيرًا على إطارات هارد، لذا كانت تلك لحظتي لمحاولة مهاجمته. قلت في نفسي:  هذه فرصتي للانقضاض".

وبالفعل دخل سائق ريد بُل ضمن مجال "دي آر اس" في المنعطف الأوّل، لكنّ سائق فيراري دافع حينها. لكنّ التماسك الأفضل لإطارات "ميديوم" ومعاناة لوكلير على إطارات "هارد" منحا فيرشتابن الأفضليّة بالتوجّه إلى المنعطف الثاني.

لكنّ لوكلير حصل على فرصة ثانية. إذ تسارع فيرشتابن مبكّرًا بالخروج من المنعطف ما قبل الأخير ما أدّى إلى التفاف سيارته ودورانه دورة كاملة. وبالكاد تشبّث الهولندي أمام بيريز وراسل لدى عودته إلى التسابق.

ولم تمض سوى ثلاث لفّات أخرى قبل أن يعود للضغط على غريمه الأساسي. مجدّدًا فقدت إطارات "هارد" التماسك بالخروج من المنعطف الأوّل وهو ما سمح لفيرشتابن بالتسارع متجاوزًا إيّاه بالتوجّه إلى المنعطف الثاني. فاز فيرشتابن وفريقه ريد بُل بالسباق حينها بعد تضييعه من قبل فيراري.

وبشكلٍ متماشٍ مع تلك الأحداث فقد استُدعي ساينز بعد ذلك بثلاث لفّات متنازلًا عن الصدارة، وواجه وقفة صيانة بطيئة أخرى.

أمّا هاميلتون فقد أجرى توقّفه الأخير في نهاية اللفّة الـ 51 منتقلًا إلى إطارات "سوفت" ليعود في المركز الخامس على بُعد 10 ثوانٍ عن ساينز، في الوقت الذي تجاوز فيه راسل لوكلير الذي كان لا يزال يُعاني على إطارات "هارد" في تلك المرحلة وهو ما أجبره لاحقًا على إجراء وقفة صيانة أخرى للتخلّص من تلك الإطارات الكارثيّة.


الأكثر قراءة

أعنف ردّ للاشتراكي على المنتقدين لجنبلاط واجتماعه بحزب الله : ما زالوا في الماضي العريضي لـ «الديار» : جنبلاط طرح إمكان المجيء برئيس للجمهورية لا يشكل تحدياً لأحد إدارة ١٤ آذار للملفات هي الأسوأ والبعض يريد الحلول على «الساخن»