اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم تعد مسألة تشكيل الحكومة الجديدة تستحوذ على أي اهتمام من قبل الرئيس المكلَّف نجيب ميقاتي ولا من قبل المسؤولين المعنيين، أو حتى دول الخارج، وسط تقدّم ملفي ترسيم الحدود البحرية الجنوبية والاستحقاق الرئاسي. ولو لم يأمل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في كلمته بمناسبة العيد ال 77 للجيش في الأول من آب الحاري بألا يكون مصير الإنتخابات الرئاسية مماثلاً لمصير تشكيل الحكومة الجديدة، لكان هذا الموضوع أصبح في غياهب النسيان، رغم إشارة الرئيس عون الى أنّ عدم تشكيلها يعرّض البلاد الى مزيد من الخضّات ويعمّق الصعوبات الإقتصادية.

أوساط ديبلوماسية مطّلعة نقلت عن بعض ممثلي الدول الأوروبية أنّ هذه الأخيرة لا تِعوّل الكثير على تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان في ظلّ وجود حكومة تصريف أعمال يرأسها ميقاتي نفسه، وخصوصاً أنّ الوقت لم يعد يسمح بذلك، حتى وإن كانت تُفضّل وجود حكومة جديدة منبثقة من المجلس النيابي الجديد. غير أنّها لم تقم بأي نوع من الضغوطات كون شيء لن يتغيّر في حال أجريت بعض التعديلات الطفيفة على أسماء الوزراء والحقائب.. حتى انّ الأمور قد تتعقّد أكثر في حال لم تتمكّن الحكومة الجديدة من نيل ثقة مجلس النوّاب سيما أن 54 نائباً فقط من أصل 128 سمّوا ميقاتي للتكليف. من هنا، فإنّ بقاء حكومة تصريف الأعمال حتى نهاية العهد لن يؤدّي سوى الى تفاقم الأزمات الإقتصادية، كما أنّ الحكومة الجديدة لن تكون قادرة على إيجاد الحلول لها في أقلّ من شهرين.

وتقول انّ البلاد ستدخل أواخر آب الجاري في افتتاح جلسات انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، ويكون على المجلس النيابي أن ينتخب في غضون شهرين الرئيس الجديد للبلاد. ولكن حتى الآن، على ما يبدو، لا تزال الأحزاب تحتفظ بالأسماء والأوراق في يدها، وتنتظر مواقف الأطراف الأخرى. غير ان ما يجري الإعلان عنه من «المواصفات المطابقة لرئيس الجمهورية المطلوب انتخابه» من قبل بعض القيادات السياسية والروحية قد يُساعد على غربلة الأسماء المطروحة، وإن لم تطرح نفسها رسمياً بعد لخوض الإستحقاق الرئاسي.

فبعد المواصفات التي حدّدها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لرئيس الجمهورية الجديد بأنّه يُفترض فيه أن «يكون متمرّسا سياسياً وصاحب خبرة، محترما وشجاعا ومتجرّدا، ورجل دولة حياديا في نزاهته وملتزما في وطنيّته. ويكون فَوْقَ الإصطفافات والمحاور والأحزاب، ولا يشكّل تحدياً لأحد، وقادراً على ممارسة دور المرجعية الوطنية والدستورية والأخلاقية، وعلى جمع المتنازعين والشروع في وضع البلاد على طريق الإنقاذ الحقيقي والتغيير الإيجابي»، خرج رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط ليعلن أنّنا «نحتاج اليوم الى الياس سركيس آخر لإدارة الأزمة، لا خلافات له مع القوى الرئيسية في البلاد، وبما يسمح بفتح قنوات التواصل مع العواصم العربية والدولية». وهذا يعني، على ما أضافت الأوساط نفسها، قطع الطريق على المرشحين الحاليين، ووضع شروط قد تكون تعجيزية لرئيس الجمهورية المقبل.

ورأت أنّ ما يطرحه البطريرك الراعي ينال رضى الدول الأوروبية، غير أنّه ليس باستطاعتها فرض اسم أي مرشح بهذه المواصفات وهي لم تُسجّل في مجلس النوّاب سوى 15 مقعداً تغييرياً. على أنّ لكلّ من النوّاب التغييريين موقفه ورأيه الخاص من مواصفات الرئيس المقبل للبلاد، ويعملون حالياً على جمعها في موقف موحّد لتُشكّل أصواتهم كتلة قادرة على تغيير أي معادلة قد يفرضها بعض السياسيين والأحزاب في جلسات الإنتخاب.

وليس للدول الأوروبية حتى الآن أي مرشح للرئاسة تدعمه، على ما أكّدت، في انتظار ما ستتوصّل اليه الإتفاقات الدولية وتحديداً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والتسويات الإقليمية بين دول منطقة الشرق الأوسط، والحرب الروسية- الأوكرانية المستجدّة. فكلّ هذه الأمور لا بدّ وأن تنعكس على الإستحقاق الرئاسي في لبنان وأن تؤدّي الى خلط الأوراق، لهذا تتريّث الدول الأوروبية، وعلى رأسها، فرنسا، في دعم هذا المرشّح أو ذاك.

أمّا طرح جنبلاط حمّال الأوجه، فيحتاج الى بعض الإيضاحات قبل إعطاء رأيها به. فالرئيس الراحل الياس سركيس كان حاكم مصرف لبنان، قبل انتخابه رئيساً وقد تمكّن من الحفاظ على القيمة الشرائية لليرة اللبنانية رغم الحرب التي كانت دائرة آنذاك. كما كان معروفاً بأنّه «رجل آدمي»، وإن اتُهم بضعف شخصيته في بعض الأحيان... فهل المطلوب انتخاب رجل آدمي، متسامح ومسالم مع الجميع، و «ليس الأقوى شعبياً في طائفته أو مسيحياً» لأنّ هذا الأمر لم يوصل البلاد الى برّ الأمان؟!

رحلة البحث عن مواصفات الرئيس الجديد للجمهورية قد انطلقت، على ما أشارت الأوساط عينها، غير أنّها لا تزال في بدأبه انطلاقتها، الأمر الذي سيجعل قياديين آخرين يطرحون «المواصفات المطابقة المطلوبة للرئيس الجديد» كلّ من وجهة نظره. ومع مطابقة هذه المعايير أو المواصفات مع المرشحين الحاليين أي رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، ورئيس «تيّار المردة سليمان فرنجية، وربما رئيس «القوّات اللبنانية» سمير جعجع الذي لم يُبَدِّل حتى الساعة رغبته بالترشّح، فإنّ أيا منهم «لا يصل» من دون دعم خارجي لتأمين الأصوات اللازمة في المجلس النيابي. فيما تتقدّم أسماء بعض الوزراء والنوَّاب الذين يرى فيهم البعض «الياس سركيس آخر» لناحية الآدمية والمصداقية والشفافية مثل الوزير السابق زياد بارود، والنائب السابق صلاح حنين، والنائب السابق غسان مخيبر أو سواهم من النوعية نفسها.

ومن الآن وحتى بداية جلسات انتخاب الرئيس في الأول من أيلول المقبل، فإنّ معطيات عديدة تكون قد تغيّرت، ما سينعكس على هذا الإستحقاق المنتظر. ويطالب المهتمّون بأن يتمّ انتخاب الرئيس الجديد للبلاد في بداية المهلة الدستورية، في ظلّ عدم وجود حكومة فاعلة، لكي يطمئن الشعب اللبناني الى أنّه لن يكون هناك فراغ رئاسي ستعيشه البلاد المنهارة إقتصادياً ومالياً، بعد انتهاء عهد الرئيس عون في نهاية تشرين الأول المقبل، لأنّ هذا الأمر من شأنه تمديد فترة الإنهيار الى أجلٍ غير مسمّى.  

الأكثر قراءة

أعنف ردّ للاشتراكي على المنتقدين لجنبلاط واجتماعه بحزب الله : ما زالوا في الماضي العريضي لـ «الديار» : جنبلاط طرح إمكان المجيء برئيس للجمهورية لا يشكل تحدياً لأحد إدارة ١٤ آذار للملفات هي الأسوأ والبعض يريد الحلول على «الساخن»