اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أثناء انعقاد مؤتمر يالطا، في شباط 1945، أبدى افريل هاريمان مستشار فرنكلين روزفلت، ذهوله من الطريقة المخملية التي وافق فيها ونستون تشرشل على الحاق بلدان من أوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى بروسيا (...حتى أنني خشيت على الحاق كندا والمكسيك أيضاً ).

في الليلة ذاتها زاد ذهول الديبلوماسي الأميركي وهو يصغي الى توضيح الزعيم الانكليزي.

قال انه قدّم الكأس المرّة للرجل، الذي كان يعتقد أن العالم كله سيأخذ بالشيوعية حالما يستيقظ من صدمة الحرب العالمية الثانية.

وبحسب ما نقل جون رايت، مخرج "الساعة الأكثر حلك"The darkest hour " عن معركة دنكرك، والذي يخطط لفيلم عن يالطا بعدما قرأ كل ما كتبه تشرشل، وما كتب عنه، ثمة منطقة "فارغة" في شخصية ستالين حين ظن أنه، بالحاقه تلك البلدان، يحذو حذو النموذج الأميركي، بالتنوع والتفاعل بين الأجناس والثقافات، ولكن تحت المظلة الشيوعية الأكثر قابلية للبقاء من المظلة الرأسمالية.

تشرشل قال في تلك الليلة على ضفاف البحر الأسود "تصوروا عربة يجرها بغل، ويقودها حوذي بشاربين هائلين، وقد تم تحميلها بأضعاف قدرتها. قبل منتصف الطريق، لا بد أن تتناثر قطعة قطعة، ليسقط الحوذي تحتها جثة هامدة"!...

تشرشل تنبأ بأن الأمبراطورية السوفياتية ستتناثر قبل نهاية القرن العشرين. هذا ما حدث، أي أن ميخائيل غورباتشوف حين أطلق البريسترويكا (اعادة الهيكلة) والغلاسنوست (الانفتاح والشفافية)، كان يقوم بما ينبغي أن يقوم به ، أن يحفر القبر الذي توارى فيه الأمبراطورية الثرى.

هيلين كارير ـ دانكوس، الباحثة الشهيرة في الشؤون السوفياتية، اذ لاحظت مدى التعفن الايديولوجي الذي أصاب الاتحاد السوفياتي، وفشل محاولات صب المجتمعات في قوالب مثلما تصب مكعبات الفحم الحجري، رأت أن العولمة وحيث الشاشات، تسللت حتى عبر الأدغال، أحدثت رؤية مختلفة لجدلية الأزمنة.

المواطن السوفياتي راح يقارن بين الوجوه الرخامية التي تطل عليه من شرفة الكرملين، ومارلين مونرو وهي تدخن "المارلبورو" بشفتين أقرب ما تكونان الى ... الزلزال!

لا حاجة هنا للصواريخ العابرة للقارات. شفتا أو ساقا النجمة الهوليوودية كانتا كفيلتين باهالة التراب على ضريح كارل ماركس. الغريب أن يرى برنار ـ هنري ليفي أنه كما انتهى الاتحاد السوفياتي على يدي ميخائيل غورباتشوف، لأنه أتى بالديموقراطية في وقت متأخر جداً، لا بد أن ينتهي الاتحاد الروسي على يدي فلاديمير بوتين لأنه أتى بالتوتاليتارية في وقت متأخر جداً. قال "انها لعبة النهايات".

لا بل أن الفيلسوف الفرنسي، اليهودي الذي تستوطن "الرؤيا التوراتية" عظامه، بحسب قوله، يتساءل ما اذا كان الرئيس الروسي سيجد قبراً يأوي اليه بعد تلك الصدمات الكارثية على الأرض الأوكرانية.

رؤية عرجاء لمن كان يهلل لبارونات اليهود، وهم يعرّون الدولة حتى من ملابسها الداخلية ابان عهد بوريس يلتسين. بوتين يواجه كل الغرب في الشرق الأوروبي، مدركاً ما الغاية من الدخول الأميركي في الحرب الى ذلك الحد. هو يعتبر أن ما يحدث في الميدان لا بد أن يفضي الى انقلاب في التاريخ، وليس فقط انقلاباً في العالم.

المفارقة هنا أن الأوروبيين الذين يعتقدون أن القرن الحادي والعشرين كرّس فلسفة السوق على أنها فلسفة الحياة، بعيداً عن جنون التاريخ أو جنون الايديولوجيا، يراهنون على تفكك الاتحاد الروسي، وتحويل روسيا الى ما يشبه "أرخبيل الغولاغ" للدببة القطبية.

هؤلاء الذين ما زالوا على اجترارهم لقرع الطبول، لا يلاحظون أن الايقاع الاقتصادي في القارة يشهد تقهقراً درامياً، حتى أن "الايكونوميست" أوحت بـ"الصقيع الاقتصادي" على أنه الوجه الآخر للموت الاقتصادي.

المثير هنا ما يتحدث عنه بعض الباحثين الأوروبيين من "أن نكون نلعب لعبة التنين. كلنا نغرق، والخوف من أن يكون الصينيون ـ وكما يذهب القول الصيني ـ ينتظرون جثثنا على ضفاف النهر. هنا ضفاف المجهول".

رحيل ميخائيل غورباتشوف أيقظ ذكريات كثيرة، وتكهنات كثيرة. عالم في حلقة مقفلة...


الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد