اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في فوضى الحديث وغياب الاستماع الجيد، تغرق المجتمعات في لهاث النقاشات العقيمة، والكلام من أجل الكلام. ويصبح التشبث بالرأي موقف يعجز المتناقشون معه في الوصول إلى أرضية صحية في التعاطي المنتج والهادف، فيقعون في التكرار والتشنج.

إن التحدث والاستماع فنّ ومهارة، وهما يعبران عن عقل راجح، وتفكير منطقي، يكوّنان فيه وسيلة للفهم المجتمعي للوصول إلى الحلول. ففي فوضى المجتمعات التي تغيب عنها هذه الثقافات، تجد الأحاديث ضوضاء وصراخا أحيانا، وثرثرات تزيد التلوّث السمعي ولا تخرقه استيعابا أحيانا أخرى. فعلى سبيل المثال، تجنح أغلب البرامج الحوارية في كثير من الأحيان إلى تغليب النقاش من أجل النقاش، فيقدم طرفا الحوار آراءهم ورؤيتهم وتستنتج كمراقب ببساطة كبيرة، أن الحاصل لا يرتقي إلى الحوار، بل هو كلام لإثبات وجهة نظر، يسعى الطرفان فيها إلى ربح المعركة بالصراخ حينا والمقاطعة أحيانا، فيما يكونان بعيدين كل البعد عن الاستماع فيتكلمان لإثبات مقولاتهما.

وهذا الأمر يعد نموذجا معديا، وتراه في كل المجالات، في الأسر والمؤسسات على اختلافها والسياسة والإعلام وغيرها، وهذا إن دلّ على شيء يدل على هشاشة هذا المجتمع وانحداره في الفوضى.

وكما هو معلوم، أن الشجر المثمر أصله بذور وبيئة سليمة وأن» النبت الصالح ينمو بالعناية، وأما الشوك فينمو بالإهمال.» لذلك فمن الأجدى تعليم هذه الثقافات في المدارس بشكل خاص ليرتقي بها الجيل الجديد سلوكا ينهض به المجتمع في كافة المجالات.

إن عملية التثقيف التربوي في هذا المجال، يجب أن تشمل المؤسسات التربوية ككل، من المسؤولين إلى الكادر التعليمي إضافة إلى التلاميذ، ما يكرسها مثالا يحتذي به التلميذ تمثلا بأستاذه ومجتمعه التربوي ، فتصبح بالممارسة والتراكم والتوجيه الإيجابي سلوكا عاما.

قواعد

هناك قواعد كثيرة ، يؤدي اتباعها إلى تحقيق الوصول إلى ثقافة الاستماع والتحدث نذكر منها:

- أولا: الإهتمام بالصوت لناحية النبرة والحدّة ، وكذلك السرعة. فالتحدث السريع قد لا يخدم وصول رسالتك للآخر، فيما التحدث البطيء جدا يصيب المستمع بالملل، علما أن الحدّة والغضب وارتفاع الصوت لن تفيد في إيصال المضمون، بل قد تربك المستمع وتغضبه .

- ثانيا: الالفاظ والمفردات، على الكلام ان يكون مفهوما للشخص الذي يتم الحديث معه، فمثلا لا يمكنك التحدث بلغة طبية بحتة مع مجموع قد لا يفهم الكثير من المصطلحات التي تقولها.. ولذا وجب استخدام المفردات المفهومة بحسب الشخص الذي تتوجه إليه ، وألا يتضمن الكلام ألفاظا وعبارات مهينة أو نابية تحرّف الحديث عن إنتاجيته، فتخلق إشكالات وردات فعل.

- ثالثا: لغة الجسد، إن أكثر ما يصل الأشخاص حين تحدثهم هي لغة جسدك، فيشعرون بانزعاجك أو تذمرك ورغبتك في الانتهاء من الحديث، مثلما يشعرون بهدوئك واهتمامك ورغبتك في التواصل...

- رابعا: التحدث باختصاصك ومعلوماتك ما يبعد الحديث عن الجدل العقيم ويجعلك في مكان العارف والمتقن.

- خامسا: التنبه إلى أن تكون مستمعا جيدا، لا متحدثا طوال الوقت. تستمع دون مقاطعة وباهتمام واحترام تام للمتحدث أمامك، وتعود لتعلق على حديثه بعد انتهائه ، مبدىيا رأيك بالموافقة على تفاصيل أو عدم الموافقة على تفاصيل أخرى، مستعينا بالثناء على ما وافقت عليه وبالشواهد على ما لم توافق عليه .

الاجراءات

وبهذا السلوك نعطي التلميذ نموذجا حيّا ، يندفع من خلاله إلى التقليد الإيجابي ويمكن تدعيمه بعدة إجراءات:

- التوجيه المستدام والتوعية في هذا الإطار. - تشجيع التلاميذ على قول آرائهم، في قالب يحترم آراء الآخرين.

- تحفيزهم على أن يكون كلامهم ذا محتوى، مدعّم بالتفكير المنطقي والشواهد.

- تعليمهم بأن الإنسان في عملية تعلم مستمرة، وأن تصويب معلوماتهم كونهم على خطأ أحيانا، لا يقلل من شأنهم بل يزيدهم تقافة.

-تدريبهم على خوض النقاشات الهادفة،لا النقاش من أجل النقاش.

- إعطاء الدور والوقت الكافي لكل تلميذ بالتعبير عن نفسه.

- الإستعانة بذوي الخبرة لإعطاء محاضرات فاعلة في هذا المضمار، ما يتكامل مع التوجيه التربوي.

إن العملية التربوية، عملية مستدامة وهي في جوهرها تهدف نحو خلق جيل ذا مميزات وقدرات وإمكانات علمية وسلوكية واجتماعية، يكون لها التأثير الفاعل في تطور المجتمع وصلاحه ونهوضه على أكثر من صعيد.

فكم من المقاصد لم تبلغ، وكان سببها تدني ثقافتي الكلام والاستماع. ومما لا شك فيه أن هذه الثقافات وغيرها تحتاج الى جهد والتزام وإصرار كونها نموذجا يخالف السائد في المجتمع، وقالبا يسعى لكسر المسلمات التقليدية في الفكر والسلوك. والإرتكاز الوحيد الذي تعالج فيه أمراض المجتمعات هو باستهداف الجيل الصاعد من تلاميذ وطلبة واستثمار التغيير فيهم زرعا وتوجيها واحتواءً نحو بناء مجتمع سليم. 

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد