اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بات الجميع في الداخل والخارج شبه متأكّد من أنّ لبنان سيدخل في الفراغ أو الشغور الرئاسي بعد انتهاء عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في 31 تشرين الأول المقبل. وتكثر بسبب هذا التخوّف الدعوات الى المسارعة في إنجاز الإستحقاقات الدستورية، لا سيما تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب الرئيس الخلف حفاظاً على لبنان وثروته النفطية الموعودة. لكن لا يبدو في الأفق أنّ الأطراف السياسية تملك الإرادة الحقيقية لتشكيل الحكومة خلال الفترة المتبقية من العهد، وإلّا لرأينا ذلك يحصل في غضون ساعات قليلة، كما أنّها لم تتوافق بعد لا على مواصفات الرئيس ولا على اسمه للدعوة الى جلسة انتخاب الرئيس... فمن سيدير الفراغ المنتظر؟ وكيف ستتمكّن حكومة تصريف الأعمال الحالية من سدّ الشغور الرئاسي بصلاحيات «بالمعنى الضيّق»؟ وما هو الحلّ الأنسب لكي يتجنّب لبنان المزيد من الإنهيار والذي قد يؤدّي في نهاية المطاف الى تفلّت أمني متوقّع في المناطق كافة، لا سيما منها الأكثر فقراً، لكي يتمكّن ربّ الأسرة، على سبيل المثال، من تأمين أدنى متطلّبات العيش لعائلته؟!

مصادر سياسية عليمة أكّدت أنّ لبنان في المرحلة الراهنة بأمسّ الحاجة الى إيجاد معالجات للمشاكل التي يعاني منها جرّاء الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة، من ضرورة خفض سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء الذي ينعكس تلقائياً على انخفاض القيمة الشرائية لليرة اللبنانية، وعلى ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الغذائية والدواء والإستشفاء والأقساط المدرسية وغير ذلك، الى تأمين الكهرباء والماء والرغيف وفرص العمل للحدّ من هجرة الشباب اللبنانيين الى الخارج. ولهذا، فإن حصول الشغور الرئاسي من دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية من شأنه خلق نوع من الفوضى غير المسبوقة في البلاد إذ سيلجأ كلّ مواطن الى حلّ مشاكله بنفسه، وإن بطرق غير قانونية أو شرعية. ولهذا لا بدّ من السعي من كلّ الأطراف لرأب الصدع وإنجاز التشكيلة الجديدة، سيما أنّ لبنان يمرّ في ظرف استثنائي ودقيق في تاريخه.

ولكن إذا لم تنجح الأطراف في تشكيل الحكومة لتكون كاملة الأوصاف والصلاحيات ما يمكّنها من سدّ الشغور الرئاسي، على ما أضافت المصادر، إذا ما طال هذا الأخير أشهراً عديدة أو سنة أو أكثر، من دون أي تأويلات أو تفسيرات، الى حين نضوج التسويات الخارجية، فعليها عندئذ التوافق على اسم الرئيس الذي بإمكانه أن يدير البلاد في المرحلة المقبلة، وسيكون عليه استكمال ملف الغاز والنفط، حتى وإن تمكّن الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية بين لبنان والعدو الاسرائيلي آموس هوكشتاين من الوفاء بوعده وإنجاز اتفاقية الترسيم قبل أواخر أيلول الجاري، أي في عهد الرئيس عون، وقبل أن تباشر سفينة «إنرجين» عملها في حقل «كاريش» الذي جرى تأجيله من أواخر أيلول الى تشرين الأول المقبل.

وأشارت المصادر نفسها الى أنّه في حال لم تتمكّن الأطراف الداخلية أيضاً من انتخاب الرئيس الجديد للبلاد قبل مغادرة عون قصر بعبدا، فسيكون عليها أن تقبل بأي سيناريو قد يضعه الرئيس عون قبل تركه سدّة الرئاسة للفراغ، وهي سيناريوهات عديدة يجري درسها من جميع النواحي لاختيار الأفضل من بينها لتمرير هادىء للشغور. وقد يبقى أمامها القيام بأمر آخر يجنّب لبنان المزيد من الإنهيار والفوضى التي قد تتحوَّل الى أمنية بسبب ارتفاع نسبة التفقير والتجويع في صفوف اللبنانيين، وهو «عقد مؤتمر وطني أو تأسيسي» قبل انتهاء العهد بدعم خارجي، على أن تشارك فيه جميع الأحزاب والكتل السياسية والنوَّاب «التغييريين» و»المستقلّين»، ليس لوضع نظام جديد أو «عقد جديد» إنَّما لتعديل «وثيقة الوفاق الوطني» التي باتت دستور البلاد منذ اتفاق الطائف في العام 1989، وسدّ الثغر الموجودة فيه، بعد تجربته على مدى 33 عاماً، والتوافق على ضرورة تحديد المهل لكيلا يصير تعطيل الإستحقاقات الدستورية وإضاعة الوقت سدى في انتظار أشهر لتشكيل الحكومة، أو سنوات لانتخاب الرئيس، أو التمديد والتجديد لمجلس النوّاب بسبب الثغر الموجودة في قانون الانتخاب وما الى ذلك...

وتقول المصادر انّ الهدف الأساسي من هذا المؤتمر، يجب أن يكون إصلاح النظام بالدرجة الأولى بعيداً عن التناحر الطائفي، لكيلا يجري تأجيل الإستحقاقات وعدم إجرائها في مواعيدها الدستورية بسبب بعض الثغر القائمة في الدستور والتي من شأنها وضع البلاد أمام المجهول لفترة غير قصيرة من الوقت. وثانياً، العمل على تطبيق اللامركزية الإدارية لتسهيل أمور الناس، ومن ثمّ إنشاء مجلس الشيوخ، وكلّ ما لم يطبَّق من اتفاق الطائف ويخدم النظام السياسي في البلد، وصولاً الى إلغاء الطائفية السياسية لاحقاً، في حال كان من الصعب تنفيذ هذا الأمر في المرحلة الراهنة.

وترى المصادر عينها، أنّه يمكن لرئيس الجمهورية أو لرئيس مجلس النوّاب الدعوة الى هذا المؤتمر، ومن الأفضل أن يُعقد في لبنان، فلا حاجة لعقده في إحدى دول الخارج، كما حصل في الطائف أو الدوحة.. ولكن من المهم أن يكون هناك راعٍ دولي أو إقليمي له، مثل فرنسا مثلاً، كون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو الذي نصح المسؤولين اللبنانيين بضرورة وضع «عقد جديد»، ليتمكّنوا من تطوير الحياة السياسية في لبنان بما يخدم مصلحة البلاد والشعب معاً.

وتجد المصادر أنّ مؤتمر الحوار الوطني قد يكون هو المطلوب في ظلّ فترة الجمود المتوقّعة بعد انتهاء عهد الرئيس عون، وخصوصاً أنّ الاتفاقات والتسويات الإقليمية والدولية لم تنتهِ بعد، رغم التقارب الواضح بين كلّ من أميركا وإيران، والسعودية وسوريا وتركيا وسواها. أمّا العراقيل والعقبات وإن كانت كثيرة، لكن لا بدّ من التوافق على حلّها، في حال وُجدت النيّة الفعلية لدى الأطراف بضرورة التوافق على نظام جديد أكثر مرونة وفاعلية. 

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد