اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كم نبدو كائنات فارغة حين نخشى من الفراغ الدستوري، كما لو أننا لسنا ضحايا الطرابيش الفارغة والرؤوس الفارغة، وحتى... الأزمنة الفارغة!

أي دستور في دولة الطائف والطوائف، حين تكون المرجعيات السياسية والدينية، فوق منطق الدولة، وفوق ثقافة الدولة، وفوق أخلاقية الدولة؟ أجل، أي دستور حين يتقاطع، على ذلك النحو المروع، السياسي مع الديني في ادارة الجمهورية؟

ألا يبدو ذلك جليّاً في مشهد الصراع بين القصر والسراي وحيث الطرابيش هنا، والطرابيش هناك، كما لو أنها طرابيش الباريزيانا أيام زمان. الدولة العارية مثل أي راقصة عارية في الملهى البيروتي الذي كان يستضيف طرابيش الدرجة الثالثة، وراقصات الدرجة الثالثة.

العرب والأوروبيون الذين معنا (وما أقلهم !) لم يعودوا يتلقون النصائح بعدم احراق أصابعهم بالنيران اللبنانية. النصائح الآن بعدم تلطيخ أصابعهم بالوحول اللبنانية.

ويقولون أي رجال دولة هؤلاء، وأي رجال سياسة هؤلاء، وأي قطاع طرق هؤلاء، حين تكون البلاد في القاع، ويختلفون حول تشكيل الحكومة وحول توزيع الحقائب. فخامته يريد أن يرفع العدد الى 30 وزيرا. غريب أنه لم يشترط أن تكون من 40 لتستقيم معادلة علي بابا والأربعين حرامي!

من تبقى من العرب والأوروبيين الذين ما زالوا يتذكرون أننا موجودون (أو يخيّل الينا أنهم ما زالوا يتذكروننا) يقولون ان حاشية القصر تريد البقاء في السلطة ولو على ذيل حصان (كما يقول المثل التركي). حتى ولو خرجت، وهي ستخرج حتماً، من الباب الخلفي للقصر.

حاشية السراي آذانها على جدران القصور الملكية، البعض وصلته كلمة السر «دعوا ميشال عون يخرج من القصر الجمهوري زحفاً على بطنه». أليس كذلك يا صاحب السعادة؟!

لا نضيف شيئاً اذا قلنا أن أولياء أمرنا يدارون مثلما تدار الدمى الالكترونية (أو الدمى الخشبية)، وأن بقاءهم أو خروجهم من السلطة، لا يتقرر في المؤسسات الدستورية بل في مطابخ أخرى، وفي أقبية أخرى...

ماذا عن الأميركيين الذين يلعبون بأعصابنا، ويلعبون برؤوسنا ؟ لا أحد يدري أين هو آموس هوكشتين. يقال إن واشنطن لن تقدم هدية للجنرال الذي «خانها» قبل رحيله، وإن «تل أبيب» التي تتحدث حيناً بلهجة الشيطان، وحيناً بلهجة الثعبان، لن تقدم على أي خطوة قبل انتخابات «الكنيست» كيلا يقال ان يائير لابيد «وقّع الاتفاق وهو في الملجأ خوفاً من صواريخ نصرالله»!

لا أحد من اللبنانيين يثق بتلك السلطة التي، فعلاً، لا نظير لها في التفاهة وفي المراوغة وفي صناعة الخراب. مثلما الأزمة العراقية مشرّعة على كل الاحتمالات وعلى كل الخرائط، وكذلك الأزمة الليبية، لكأننا عشية سايكس ـ بيكو، الأزمة اللبنانية أيضاً مشرّعة على كل الاحتمالات وعلى كل الخرائط.

يفترض أن نقرأ، كما كهنة الغيب، ما يجول في رؤوس الأميركيين (وأين نحن في لعبة الأمم). أوساط ديبلوماسية تقول أنهم يراهنون على الاهتراء الكامل لهيكلية الدولة، وعلى التصدع الدراماتيكي للطبقة السياسية. لا نعلم أي شيء عن البديل، وكيف يخططون في ما يتعلق بشكل الدولة، أو بشكل السلطة، أو بمكان لبنان في المشاريع أو في الصراعات المبرمجة للشرق الأوسط...

الى اشعار آخر، لا أحد سوى الأميركيين في الحلبة. الأتراك والايرانيون يشعرون بأن الأميركيين يستخدمون كل ما يجري على الأرض لمصلحتهم اذا كنتم تذكرتم نظرية «الفوضى الخلاقة». الآن نظرية «الضبابية الخلاقة».

في كتاب رئيس الحكومة الراحل سامي الصلح «لبنان... العبث السياسي والمصير المجهول» عام 1968، تحديداً في الاهداء الى «أبنائي»، هذا النص «أخاف عليكم من الأعظم، وكما تعلمون فان أصغر انجاز من الانجازت العديدة التي استطعت تحقيقها لمصلحة الشعب كان يكلفني مواجهة ضارية مع الأنانية والطغمة المالية التي كانت تتحكم برجال السلطة، ولو كانت مصلحة الوطن على سلّم أولوياتهم لكان وضعنا مختلفاً عما هو اليوم...»

هذا كلام من نصف قرن. أي مصير ينتظرنا في نصف القرن المقبل ؟ عودوا الى عنوان الكتاب... 

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد