اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في حين تتجه العلوم والأبحاث الطبية وغيرها لإيجاد السبل والوسائل للحد من الأمراض، وتمكين الإنسان من العيش أطول فترة ممكنة، يتجه الكثيرون حول العالم إلى الانتحار ووضع حدّ لمعاناتهم عبر إنهاء حياتهم. فما هي هذه الظاهرة؟ وما أسباب شيوعها؟ ما الأعمار الأكثر تأثرا بها؟ وكيف السبيل إلى الحدّ منها وتفاديها؟

تعريف واسباب الانتحار

يعرّف الانتحار بأنّه قيام شّخص بفعل ما يؤدّي به إلى الموت عمداً، ويلجأ الأشخاص إلى هذه الوسيلة للتّخلّص من هموم الحياة نتيجة اضطرابات نفسيّة، إدمان، مرض، أو نظراً لظروف ماديّة أو علاقات شخصيّة، وقد شهدت السنوات الأخيرة الماضية تسجيلاً كبيراً لعدد حالات الانتحار ومحاولاته.

وتتعدد الأسباب التي قد تتشابك وتتعقد وتؤدي بالشخص إلى أذية نفسه والتخلص من حياته، وفيما يلي بعضها:

- المشاكل الصحيّة: يؤكّد الأطبّاء والأخصائيين على وجود ارتباط وثيق بين المشاكل الصحيّة والانتحار، ومن بينها إصابات الدّماغ المرضيّة، السّرطان، الفشل الكلويّ، الإيدز وغيرها...

بحيث يعمد المريض إلى التخلص من حياته نتيجة يأسه من العلاج في حالة الأمراض المستعصية، وخوفه من المعاناة والوجع، والهرب من أن يكون في موقع الضعف وعدم القدرة على التحمل جسديا أو اجتماعيا أو اقتصاديا.

- الاضطرابات النفسية: يعاني الكثيرون من أمراض نفسية قد تؤدي بهم إلى الانتحار كالاكتئاب، الانفصام، الوسواس القهري والهوس... وهي حالات تؤثر بالحالة النفسية للمريض، وغالبا ما يرافقها اضطرابات في المزاج ينتج عنها اليأس والغضب، وتنتهي عند تفاقمها الى الانتحار. علما أن الاضطرابات النفسية لا تكون دوما نتيجة أمراض نفسية، بل قد تنتج عن ضغوطات حياتية اجتماعية، اقتصادية، عاطفية وغيرها تجعل الإنسان عاجزا، ويؤدي تراكمها إلى تدهور قدرة التحمّل ما قد يؤدي إلى الهرب بالانتحار.

- الإدمان: الإدمان على الكحول والمخدرات يسبّب غياب الإدراك وذهاب العقل، مما ينعكس على السلوك، وقد ينجم عنه الإقدام على الكثير من الأفعال المؤذية بحق الغير كالقتل والاغتصاب، وبحق الذات الأذية والانتحار.

- الأدوية: تتسبب بعض الأدوية بآثار جانبية، كمضادات الاكتئاب والحبوب المهدئة وغيرها، ويكون الانتحار نتيجة.

- التعرض لأحداث صادمة: قد يأتي الإنتحار أحيانا كردة فعل على فقدان أحد بالموت أو بحادث، أو التعرض للاغتصاب، التعرض للتشهير، التنمر الشديد، التحرش الجنسي، التفكك الأسري، البطالة، العوز... وأمور أخرى تتداخل لتشكل واقعا قاسيا على الفرد، تغيب معه قدرة التحمل.

- وسائل الإعلام والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي: تتناقل هذه الوسائل أخبار المجتمع بمشاكله، وتضيء على حالات انتحار حصلت وتبين أسبابها وطرقها... فيتماهى بعض الأشخاص لتعثر ظروفهم مع هذه الحالات ويلجأون إلى التقليد.

- الحروب والاوبئة: يشكل هذا النوع من الخوف والرهاب دافعا لدى البعض لإنهاء حياتهم خوفا من المعاناة...

إن الأسباب التي تم عرضها ليست الوحيدة، وهي قد تتداخل لتشكل دافعا قويا يدفع بالمرء نحو الانتحار، ظنا منه بأن الهموم والمشاكل تنتهي بهذا الفعل.

الحدّ من هذه الظاهرة

الانتحار فعل يقدم عليه أفراد من المجتمع، وهو يتأتى بسبب دوافع متعددة، تجعل المجتمع بكل مكوناته مسؤولا للحد من هذه الظاهرة، ومنع ترسيخها:

- التربية السليمة والاحتواء: تعد الأسر ركيزة بنيان المجتمعات، ففيها يكتسب الشخص عاداته ومعتقداته، وإليها يلجأ للتصويب والتحكيم والاحتواء، ومنها يقارع العالم حين تكون متماسكة ومحتوية بعيدا عن المشاكل المستفحلة والشقاق والإهمال والعنف. فالأسرة والعائلة بظروفها هي المشكل الأول للفرد السوي نفسيا وعقليا ومجتمعيا.

- المدارس والمؤسسات التربوية: دورها في التربية والتنشئة، في التثقيف والتوجيه، في الاحتواء والصقل. وكلا العنصرين الأسرة والمدرسة، يحتاجان إلى عقول عارفة، مثقفة، مطلعة، متابعة ومثابرة لتتمكن من بناء وتقديم النموذج الصحيح للفرد السوي.

- دور الدولة والرعاية المجتمعية: تلعب الدول المتحضرة دورا فعالا في حماية أفرادها من اليأس والانتحار، عن طريق الكثير من الاجراءات التي ينفذ فيها القانون المجتمعي لجهة مراعاة حقوق الأفراد وتأمين مقومات وسبل العيش. ففي البلدان المتعثرة تكثر البطالة، يغيب تطبيق القوانين، ينشط الفساد، يغيب العدل، يسوء الوضع الإنساني، تغيب أدنى حقوق العيش من الاستشفاء إلى الدواء والأكل... يغيب الأمن والأمان، يسيطر الخوف، تزداد البطالة، يكثر الإدمان والآفات المجتمعية... ويأتي الانتحار نتيجة لكل هذه المشاكل، حين تغيب الدولة ومسؤوليها عن مسؤولياتهم.

- الوسائل الإعلامية: بقدر ما تشكل هذه الوسائل دافعا للانتحار بمضمونها، فهي قادرة على أن تكون وسيلة تمنع الانتحار من خلال التثقيف والتوعية، وعبر مضمون يقدم في قالب مدروس من قبل أخصائيين ليحقق هدفه في المنع عن قناعة وتصويب.

- القطاع الطبي: يلعب القطاع الطبي دورا من خلال الأطباء النفسيين والاختصاصيين، وحتى العاملين في المجال الصحي من خلال تدريبهم على الاستجابة للمحتاجين. تلعب الصحة النفسية دورا كبيرا في حياة الناس، وعلى القطاع الطبي والدولة تسهيل وصول الناس للأطباء والأخصائيين النفسيين ، عبر تغطية الجهات الضامنة لتكاليف معايناتهم وجلساتهم العلاجية،

ويجب قوننة الحصول على الأدوية وحصرها بوصفة طبية، لعدم تسهيل الوصول إلى الأدوية الخطرة، والتي قد تشكل وسيلة للانتحار.

- الاجهزة الأمنية ومكاتب المكافحة، لا سيما تلك المتعلقة بالجرائم الالكترونية، والابتزاز وغيرها، بحيث تعمل هذه الأجهزة على حماية المجتمع من هذه الانتهاكات التي تؤدي في بعض منها للانتحار.

المراهقون والانتحار

إن التغييرات التي تطرأ على جسم المراهق والتي تؤثر على مزاجه وحالته النفسية، يضاف إليها الضغوط المجتمعية الكثيرة التي تختلف من شخص الى آخر، والتطور التكنولوجي الحاصل الذي يجعله عرضة لكل أنواع المعلومات وحتى المضايقات والتنمر... تجعل المراهق عرضة للاقدام على الانتحار. وهذه المحاولات لا تنم بالغالب عن رغبة في الموت، بل عن صرخة يستغيث بها للخروج من الظروف المثقلة التي يعيشها.

تظهر الدراسات الحديثة ارتفاع نسبة الانتحار بين المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين ال15 وال19 عاما، وقد وصلت نسبة المراهقين الذين نفذوا فعل الانتحار في الولايات المتحدة إلى إثني عشر مراهقا من كل مئة الف، وهي نسبة ليست بقليلة. يضاف إليها عددا غير قليل ممن يحاولون أو يجربون دون ان ينجحوا. ولهذا وجب على الأهل والمسؤولين التربويين والبيئة المحيطة بالمراهق التنبه لهذا الأمر وعدم التسليم باستحالة حدوثه، والانتباه لعدد من الإشارات والعلامات التحذيرية التي تشير إلى أن الشخص او المراهق قد يقدم على الانتحار.

أهم العلامات التحذيرية

- أذية النفس: يسعى بعض المراهقين إلى أذية أنفسهم، كجرح اليدين أو الجسم كمحاولة لقص العروق، فترى أيديهم في كثير من المرات ملآى بالجروح نتيجة محاولات متلاحقة، ويستخدمون فيها مقص، أو بعد أدوات القرطاسية لديهم أو غيرها. وتكون معظم هذه الأفعال بمثابة طلب مساعدة والحاجة إلى الاهتمام الذي إن غاب قد يتطور الأمر جديا للانتحار.

الحديث عن الانتحار: يعمد بعض المراهقين إلى الإشارة إلى ذلك عبر جمل يستخدمونها خلال أحاديثهم، كأن يهددوا بشكل واضح او بالإيحاء، ومثال على العبارات: «سأنهي حياتي، الحياة مضنية والعيش عبث، قد لا أكون موجودا حينها لأرعجكم، أتمنى لو لم أخلق»... وغيرها. يجب إيلاء هذه العبارات الانتباه الكامل لوضعها في سياقها الصحيح والتمييز بين كونها مزاحا أو إيحاءً.

العزلة الاجتماعية: قد تشكل الرغبة المفاجئة والمستمرة للابتعاد عن العائلة والأصدقاء وتفضيل الوحدة مؤشرا يدعو للقلق، لما يشكله هذا العامل من بيئة تنضج فيها الأفكار السلبية وتتفاقم. فالمراهق البعيد عن التفاعل، والفاقد للدعم الاجتماعي يعاني أوضاعا نفسية صعبة تضخم من حالة معاناته واجترار افكاره وتدفعه للانتحار. من المهم جدا التفات الأهل إلى هذه العلامة، ومحاولة كسر هذه العزلة عبر الحديث والدعم والاحتواء وعدم التردد في الاستعانة بأخصائيين إن دعت الحاجة.

تغيير العادات: قد يكون لافتا زيادة ساعات النوم، القلق المستمر، التوقف عن الأكل وفقدان الشهية، أو حتى فرط الشهية وغيرها من الأمور التي تشير إلى تغيير لافت في العادات.

الشكوى الدائمة: يكرر المراهق شكواه بأنه يعاني ضغطا، أو يشير إلى انعدام قيمة حياته، وبأنه يكره وجوده ولا يعتبر نفسه أو حياته ذات فائدة.

تخلي المراهق عن اهتماماته أو ممتلكاته المحببة: قد يلجأ المراهق إلى التخلي عن أشياء تعني له الكثير ، فيعطيها لمن حوله. وقد يفقد الرغبة في القيام بهواياته، ألعابه المفضلة، رياضته المفضلة... كل هذه الإشارات تنم عن محاولة لفت انتباه أو تحضير للقيام بفعل الانتحار، وفي الحالتين الاحتواء ضرورة وحاجة.

التغييرات المزاجية: تعتبر التغييرات المزاجية سمة مرافقة للمراهقة، غير أن حدتها وارتباطها بالغضب المتفاقم أو العزلة والحزن الشديد، يستوجب المتابعة والملاحظة الدقيقة.

تعتبر هذه العلامات إنذارا حقيقيا، وجب على الأهل ومقدمي الرعاية متابعته عن كثب. من المهم جدا احتواء المراهقين وفتح قنوات التواصل معهم من الحديث الى المشاركة في النشاطات والاهتمامات. والأهم من كل ذلك الاستماع، وأخذ إحساس المراهق ومعاناته على محمل الاستيعاب والتقدير، بحيث يشعر أنه مفهوم، وان لديه كتف يتكئ عليه ليفرغ كل ما يزعجه. وهذا يحتاج صدرا رحبا من الأهل ومقاربة واعية، يتمكنون من خلالها من التعاطي مع المراهق بعيدا عن التوبيخ والعنف، وبكثير من الحكمة والاحتواء ثم الاحتواء.  

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله