اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

هل حقا اقتنعت السعودية مجددا بان الملف اللبناني يمكن ان يكون ساحة تجاذب مع طهران، ويمكن من خلالها تحقيق الانتصار «بالنقاط» اذا لم يكن «بالضربة القاضية»؟ سؤال يحتاج الى بعض الوقت لتكوين اجابة كافية ووافية لا تقبل اي التباس. لكن حراك السفير السعودي في بيروت الوليد البخاري معطوفا على اللقاءات السعودية – الفرنسية في باريس، يشير الى ان الرياض ترى الفرصة «سانحة» للعودة من «النافذة» بعدما غادرت من «الباب». لكن هل النجاح مضمون هذه المرة؟

مصادر سياسية مطلعة تلفت الى وجود «جس نبض» سعودي حتى الآن، لا قرار بالعودة الى تزخيم العمل على الساحة اللبنانية خوفا من «الغرق مجددا في المستنقع»... ويتولى السفير السعودي مهمة «جمع المعلومات» وتقصي الحقائق على الارض في محاولة لإعداد ملف متكامل يكون على «طاولة» ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان لاتخاذ القرار المناسب في وقت لن يتعدى الاسابيع القليلة. لكن حتى الآن لا يوجد الكثير من المغريات الجدية على ارض الواقع، والتي تشير بوضوح الى عدم امكان تحقيق اي انجاز يمكن البناء عليه في مواجهة حزب الله ، على الرغم من بعض مؤشرات «الضعف» المتمثلة بخسارته الاغلبية في المجلس النيابي، وبدء العد العكسي لخروج حليفه المسيحي الاقوى الرئيس ميشال عون من قصر بعبدا.

هذه الخلاصة الاولية لم تمنع الرياض من الاستجابة للإلحاح الفرنسي «غير المسبوق» حيال ضرورة توحيد الجهود لادارة الاستحقاقات المقبلة، لكن حتى الآن لم تقتنع الرياض بإمكان التعاون الناجح مع الفرنسيين الذين لا يملكون اي تأثير عملي بالساحة اللبنانية، ويطمحون لخطة متكاملة بالتشارك مع الاميركيين غير الجاهزين بعد بالنسبة للتصور النهائي حيال كيفية التعامل مع الاستحقاقات الدستورية، ويركزون الآن على انجاز ملف «الترسيم». وما يخشاه السعوديون ومعهم الفرنسيون ان تشمل «المقايضة» للتهدئة الاقليمية مع حزب الله تنازلات او اقله عدم مبالاة اميركية ازاء الاستحقاقات الداخلية تحت عنوان «دعم الاستقرار» وضمان عدم انفلات الامور على الحدود، بما يضمن عدم تهديد امدادات الغاز «الاسرائيلية».

وفي هذا السياق، بدأت السعودية في تمهيد الارضية لاحتمال عودتها المباشرة بجولات السفير البخاري على القيادات السياسية، وهو يركز «مواربة» على مدى استعدادها للذهاب بعيدا في المواجهة مع حزب الله في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد. كما يحاول معرفة حدود التصعيد الذي يمكن ان يذهب اليه الحزب في حال كانت مصالحه مهددة؟ واذا كان رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع قد عبّر سابقا عن رغبته في قيادة اي تحالف لمواجهة نفوذ الحزب ويجد الفرصة مؤاتية لذلك، الا انه لم يحصل على اجوبة واضحة حيال استعدادات الخارج للمواكبة وخصوصا المملكة. وللمفارقة تقول تلك الاوساط فان كلا الطرفين قلق من اي «دعسة ناقصة» وينتظر من الآخر ضمانات تبدو غير متوافرة لدى الجانبين حتى الآن!

وحده النائب السابق وليد جنبلاط من القيادات الوازنة في المقلب السعودي، يحذر من الامعان في استفزاز الطرف الآخر في توقيت حساس جدا، وهو يعتقد بان ثمة احتمالا كبيرا للوصول الى تفاهم مع حزب الله على الاستحقاقات الدستورية، لكنها تفاهمات واقعية ومنطقية ضمن معادلة «رابح- رابح»، ولن تصل الآن الى مناقشة ملف السلاح المؤجل حتما الى مرحلة لاحقة تحتاج الى اجواء اقليمية ودولية مغايرة. ووفقا للمعلومات، عبّر جنبلاط عن انزعاجه للتسريبات السعودية التي تلت لقاءه مع البخاري في كليمنصو، والتي تحدثت عن رفض سعودي لانتخاب رئيس من 8 آذار، واعتبر ان الصيغة المسربة تحمل تحديا في غير مكانه، وتوحي بوجود «شروط» سعودية لا «نصائح»، وهذا يعقد المشهد ولا يساعد في الوصول الى تسوية. وبرأيه لا يجب ان ينسى احد انه اذا كان حزب الله غير قادر على فرض ما يريد، فانه قادر بسهولة على منع الآخرين من تحقيق ما يريدون. فهل من يريد الوصول الى هذا الحائط المسدود؟

وفي سياق متصل، استغل السفير السعودي زياراته المكوكية للسؤال عن مدى استفادة حزب الله عمليا، او بالاحرى كيف سينعكس نجاحه على ارض الواقع، اذا تم توقيع اتفاق الترسيم البحري بعدما نجح في تشكيل «رأس حربة» ضاغطة على «الوسيط» الاميركي وعلى «اسرائيل»؟ ووفقا للمعلومات، ثمة قلق سعودي جدي من تداعيات سلبية اذا نجح الحزب في اجبار الطرف الآخر على التنازل «بالقوة». واذا كانت الاجابات غير واضحة حتى الآن بانتظار خاتمة هذا الملف، فان كلا من جعجع وجنبلاط عبّر للسفير السعودي عن القلق الجدي من مسألة اخرى تتعلق «بالفيول» الايراني، وطالبه بتحرك جدي لدى بلاده للتحرك على المستوى الانساني لا السياسي من «بوابة» الكهرباء، لان نجاح الاتفاقية مع طهران سيحمل في طياته الكثير من الاجواء الايجابية للايرانيين الذين سيلقون الترحيب في كل بيت لبناني يعاني من العتمة. وهذا الامر برأيهما خطر على المدى القصير والاستراتيجي، ولا بد من مقاربة سعودية واضحة في هذا المجال، لان الخسائر قد يصعب تعويضها اذا دخل الايرانيون على قطاع الطاقة من «ابوابه المشرعة». طبعا لا يملك البخاري اجوبة على هذه الاستنتاجات، واكتفى باعطاء وعد «بالمراجعة».

وبانتظار حسم السعودية قرارها المعلق على ضمان النتائج قبل التدخل مجددا من «الباب الواسع»، تلفت اوساط دبلوماسية الى ان مشكلة الرياض تبقى في عدم التعلم من «دروس الماضي»، فتكرار الرهانات القديمة واسقاطها على الواقع الاقتصادي المرير، والظن ان نفوذ حزب الله قد تراجع، يعني ان النتائج السلبية ستكون مضمونة مرة جديدة، ويكفي الاستماع الى اتهام رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق بنيامين نتنياهو لرئيس الوزراء الحالي يائيير لابيد «بالخضوع لحزب الله والإذعان لتهديدات السيد نصرالله في ملف الترسيم، ودعوة «الاسرائيليين» الى عدم انتخاب الحكومة الضعيفة والخطرة»، للادراك ان الحزب تحول الى لاعب اساسي ليس في الانتخابات اللبنانية بل «الاسرائيلية». اما توصية معهد البحوث الاستراتيجية «الاسرائيلي» للحكومة بالموافقة على «التسوية» شرط «بالأ تظهر كمن ردعتها تهديدات حزب الله مما سيشجع «التنظيم» على تحدي «إسرائيل» في مسائل أخرى، فهو دليل على انعدام القدرة على «لي ذراع» الحزب والاكتفاء «بالمناورة» لتغطية الفضيحة. فهل يتعظ السعوديون؟ 

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله