اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


جنين - فلسطين المحتلة

للموت هيبة واحترام، وهو نهاية كل حي، وقد علمتنا مدارس مكارم الأخلاق أن الشماتة من سوء الخلق خاصةً في الموت، فالموتى أصبحوا في عهدة أخرى وخارج دوائر المحبة أو البغض أو دائرة الحساب الدنيوي، إلا أن بعض ممن يرحلون عنا والذين لعبوا أدواراً في الشأن العام لا ينطبق عليهم ما تقدم، فآرائهم وأعمالهم قد كان لها تأثيراً عاماً، وفي كثير من الحالات لا زال تأثير أفعالهم متواصلاً، وبالتالي فإن تقيمهم ونقد أدائهم بالسلب أو الإيجاب هو حق للجميع، ومن هؤلاء الراحل الشيخ يوسف القرضاوي المصري الأصل القطري الجنسية والولاء.

أسس الشيخ القرضاوي "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" وترأسه لفترة طويلة، عرفناه مع انطلاق عهد القنوات الفضائية، حيث كان ضيفاً دائماً على قناة "الجزيرة"، أُعجبنا بشخصيته الهادئة وملامحه البشوشة التي تنم عن طيبة، والأهم أعجبنا باعتداله وانحيازه للمقاومة بالمطلق، لكنه مع اندلاع الحرب الكونية على الشام وما أُطلق عليه زوراً اسم "الربيع العربي"، انكشف غطاءه عن شيخ ماكرٍ، يُؤمن بنظرية التمكين، التي تمثل النسخة الإسلامية لانتهازية ميكافيلي، وهي نظرية تتطابق مع المثل العامي (تمسكن حتى تمكن)، فانكشف زيفه وظهر بحقيقته العارية كبومٍ ناعقٍ وعقلٍ دموي غرائزي متوحش، لا يأنف من تحويل البوصلة حسب الهوى والدفع، إذ أفتى بأولوية الجهاد ضد سورية الدولة على الجهاد في سبيل فلسطين، ولحقه في فتواه الشيخ الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني والقيادي في حركة "حماس"، لا يتورع عن التحريض على قتل المخالف في الرأي حتى ولو كان رجل دين بأهمية ومكانة الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، ثم وفي خطبة جمعة بثتها قناة "الجزيرة"، طالب بها الرئيس الأمريكي أن يقف وقفة حق ويدمر بلاداً عربية وإسلامية منها سورية و ليبيا، في وقتٍ كان لا يزال يرأس الاتحاد العالمي المذكور.

الشيخ القرضاوي لا زال فاعلاً في أنصاره وجماعاته، فهو الأب الروحي لجماعة "الإخوان المسلمين" وتفرعاتها، ومنها حركة "حماس" التي احتضنتها دمشق لسنوات في وقتٍ لم تكن ترضى فيه باستقبالها عواصم عربية، رعتها الدولة السورية كما لم ترعى أي حليف لدرجة أنها نافست "حزب البعث" الحاكم، ومثلها مثل أباها الروحي انقلبت على راعيها وحاميها مع انطلاق ريح السموم وأعلنت الحرب على سوريا، رعتها إيران ودعمتها في حين احتفل أنصارها بتوزيع الحلوى في قطاع غزة فرحاً وابتهاجاً، عندما أُعلن عن استشهاد الفريق قاسم سليماني باعتباره شيعياً رافضياً، ومن هذه التفرعات "الحركة الإسلامية" في الداخل الفلسطيني التي أرسلت شُباناً من الجليل والمثلث لتركيا ثم إلى سورية للقتال في صفوف الإرهابيين، باعتبار النظام في دمشق هو العدو لا من يحتل مدنهم وقراهم، ومنظر هذه الحركة الشيخ كمال الخطيب المحاضر في جامعة تل أبيب الذي له تصريحات تؤيدها حركة "الإخوان المسلمين" وهي مستمدة من الفكر القرضاوي، والتي ترى أنه يُفضل بقاء الدولة اليهودية على تحرير فلسطين بيد الشيعة.

مات الشيخ القرضاوي، لكن سمومه الفكرية لا تزال حيّةً، اللهم لا شماتة.

الأكثر قراءة

هل قطع باسيل الطريق على فرنجية رئاسياً ما اعطى جوزاف عون الحظ؟ هل تنجح محادثات ماكرون ــ ابن سلمان في التوصل الى مرشح توافقي في لبنان؟