اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مرت ثلاث سنوات على ما جرى في الشارع في 17 تشرين الاول 2019، حيث تعددت التسميات على عدد الخيم التي زرعت في وسط بيروت والمناطق فمن "ثورة" الى "حراك" فـ "انتفاضة" و"غضب شعبي" و"فشة خلق" و"اسقاط النظام"، ودخلت الجغرافيا فيها فسميت باسماء مناطق، وتوزعت بين سلمية وعنفية.

لم يشعر اللبنانيون الذين تجمعوا في الساحات والشوارع في لبنان، ان اوضاعهم المالية والاقتصادية والاجتماعية، اضافة الى محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين من الطبقة السياسية، قد تغيرت، لا بل ان الازمة ازدادت تعقيداً، فالذين تظاهروا ضد رفع رسم اتصال "الواتساب" 6 سنت، وشكّلوا بداية الحراك، الذي سُمي "بالعفوي"، سكتوا عن الارتفاع في الاسعار، وناموا في منازلهم لا في خيمهم، على تدهور الحالة المعيشية، اذ التضخم في لبنان وصل الى حدود 1000%، وتدنت القدرة الشرائية لليرة اللبنانية الى نحو 95% مع ارتفاع لسعر صرف الدولار، وشلت مؤسسات الدولة، لا بل بعضها توقف عن العمل كالقضاء، او بدوام ليوم واحد في الادارات والمصالح العامة، فكانت نتيجة الخروج الى الشارع، انحلال الدولة، وتعميم الفوضى، وارتفاع البطالة والهجرة، بسبب توقف مؤسسات وصرف عمالها وموظفيها، لان ما حصل لم يكن منظماً للوصول بالحراك الى اهدافه.

والسبب في الوصول الى هذا الانهيار تتحمله السلطة الحاكمة منذ ما بعد اتفاق الطائف، في العام 1990، والانسحاب السوري من لبنان في العام 2005 وهي التي اوصلت لبنان الى هذا الافلاس ليس المالي فقط، بل الاخلاقي، حيث حكمت عقلية المحاصصة وتحقيق المكاسب اركان الحكم في لبنان دون استثناء، وبنسب متفاوتة، لكنهم كانوا جميعاً شركاء في افقار وتجويع وهجرة وبطالة وذل الشعب اللبناني.

هذا التقييم للسنوات الثلاث من الحراك، هو للاشارة بأن من حكموا تقع عليهم المسؤولية في ما حل من كارثة في لبنان، لكن على من خرجوا الى الشارع تقع مسؤولية ايضاً عليهم وفق ما يؤكد اكثر من راقب وشارك في ما حصل خلال العام الاول وبعده، لان من كانوا في الساحات لم يفرزوا برنامجاً لتحركهم، ولم يضعوا فترة زمنية لتحقيق الاسهل منه، لانهم لم يتفقوا على قيادة منهم توصل المطالب نحو هدفها، اذ لم تكن المشكلة "مع المطالب بل مع المُطالب"، لان المطالب محقة، انما من يطالب بها، فهم متعددو الهويات الحزبية والغايات السياسية والارتباطات الداخلية والخارجية، وقد حاول ابرياء وصادقون من الذين شاركوا في الحراك بتنظيمه واطلاق برنامج له وتظهير قيادة له، او هيئة تنسيق بالحد الادنى، لكن مثل هذه المحاولات نجحت احياناً وفشلت في كثير من الاحيان.

ففي ظل الاوضاع المتدهورة، ومع يأس المواطنين من حصول تغيير لاوضاعهم من القوى السياسية والحزبية الحاكمة، فان الانظار تتجه الى من سموا انفسهم بـ "نواب التغيير" وعددهم 13، وبدأ يتناقص لانهم ليسوا على برنامج واحد، ولا قيادة واحدة، ويخشى المواطنون الذين اقترعوا لهم، ان يخيبوا آمالهم كما احبط الحراك امانيهم، حيث تتحدث المعلومات عن ان بعض من فاز من "نواب التغيير"، انما على حساب "حلفاء سوريا" وهذا ما اكد عليه المسؤول الاميركي السابق ديفيد شينكر، كأن واشنطن قررت تطبيق "قانون قيصر" على حلفاء سوريا السياسيين في لبنان.

من هنا، فان التغيير في لبنان له شروطه، سواء في الشارع او داخل المؤسسات الدستورية، وان التوجه الى حصول ذلك يبدأ في النظام السياسي الطائفي الذي له آلياته، رسم اتفاق الطائف خارطة طريق لها، ومن ابرز ما ورد فيه، انبثاق السلطة من قانون انتخاب نيابي خارج القيد الطائفي، والغاء طائفية الوظيفة كما السياسية، وتحقيق اللامركزية الادارية، واستقلالية القضاء، وبناء جيش له عقيدة قتالية يواجه العدو الاسرائيلي وكل من يعتدي على السيادة اللبنانية.

فقوى التغيير في الشارع رافقتها "الفوضى الخلاّقة" وتعدد البرامج والاهداف وناصبي الخيم، مما لم يتح للحراك ان يحقق مبتغاه بدليل استمرار الانهيار، والشعب في غفلة عما يجري، فتحكم "الانا" سلوكه، بسبب ثقافة مجتمعية تعلّم الناس الامثال الخانعة كمثل "من بعد حماري لا ينبت حشيش" او "اليد التي لا تستطيع عليها ادعي عليها بالكسر"، الى امثال كثيرة يائسة، تقابلها امثال فيها وقفة عز لا يعمل بها الكثير من اللبنانيين، الذين تربى منهم على انهم من القطيع، وهذا هو دور من يدّعي التغيير ان يعمل على بناء الانسان، لا "الكولسة" في مجلس النواب.

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية