اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم ترض سوريا بترسيم لبنان لحدوده الشمالية عام 2011، لكنها ارتأت التعامل معه جدياً بعدها بسنوات، فقامت بترسيم خاص بها، بعد تقديمها اعتراضاً لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وفي العام 2014 توجهت سوريا بشكوى على لبنان الى الأمم المتحدة، بعد قرار لبنان بفتح جولة التراخيص الأولى وعرض البلوك رقم 1 الموجود شمالاً للتلزيم.

نام الملفّ إسوة بملفات عديدة بين لبنان وسوريا بسبب "الحرد" السياسي في لبنان، لكنه استيقظ عام 2017 عندما طلب لبنان الرسمي عبر وزارة خارجيته من الحكومة السورية بحث مسألة الحدود، لكن التعاطي اللبناني باستخفاف مع المسألة وعدم الرغبة في التواصل الرسمي المعتاد بين الدول، جعل سوريا توقّع عقداً مع شركة "كابيتال" الروسية للتنقيب عن النفط في المنطقة المتنازع عليها، والتي تبلغ مساحتها 750 كيلومتراً ويمكن أن تصل الى ألف كيلومتر.

استمر التسويف وإضاعة الوقت حتى العام 2019 عندما بدأت المشكلة تكبر بين البلدين، إذ أرسلت الحكومة السورية مذكرة الى لبنان لعقد اجتماعات مباشرة تبحث الترسيم، فلم ينجح الأمر، ليحصل التواصل الاول بين الرئيس اللبناني ميشال عون والرئيس السوري بشار الأسد حول المسألة عام 2021، ومن ثم منذ أيام قليلة، حيث تم تشكيل وفد للتوجه الى سوريا، الأمر الذي لم تهضمه القيادة السورية، بغض النظر عن الأسباب المعلنة، فهل لبنان حاضر لترسيم الحدود مع سوريا في المنطقة التي تشكل نفوذاً اقتصادياً روسياً، في ظل الوضع الروسي القائم عالمياً؟

اذا كانت العلاقات اللبنانية - الروسية خاضعة للقرار الأميركي، قبل الحرب في أوكرانيا، فإنها اليوم أصبحت بمكان أسوأ، نظراً لوقوف لبنان ضد روسيا في معركتها، رغم ذلك ومن حيث المبدأ، الجانب الروسي لديه مصلحة بالإنتهاء من هذا الملف سريعاً، نظراً إلى أنه المسؤول عن التنقيب في الجانب السوري، وهو سبق أن أبدى إستعداده وجهوزيته للمساعدة في هذا الموضوع، لأجل الوصول إلى تفاهمات، لكن من الناحية العملية ليس هناك من ضغوط تفرض الإستعجال، كما كان عليه الواقع في عملية ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي، حيث كانت الضغوط الأميركية والأوروبية عاملاً حاسماً على هذا الصعيد.

بالإضافة إلى ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن عملية المفاوضات مع العدو الإسرائيلي كانت قد بدأت منذ سنوات طويلة، بينما هي مع الجانب السوري لم تبدأ، بالرغم من الدعوات المتكررة التي وجهت لهذه الغاية في السنوات الماضية، لكن على ما يبدو أراد رئيس الجمهورية ميشال عون أن يسعى إلى فتح هذا الملف، على أمل أن يضيف إنجاز جديد قبل نهاية ولايته.

على صعيد متصل، ينبغي الإشارة إلى أن موسكو سبق لها أن أبدت رغبتها في الإستعداد لمساعدة لبنان في العديد من الملفات، لكن التردد كان من الجانب اللبناني خوفاً من الضغوط التي من الممكن أن تذهب إليها الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما ترجم بشكل واضح من خلال الموقف من الحرب في أوكرانيا، الأمر الذي قد يؤثر على طبيعة الدور الذي من الممكن أن تلعبه روسيا، بالرغم من تشديد الأوساط المقربة منها على عدم الربط بين الأمرين، لا سيما أنها تدرك جيداً الواقع اللبناني.

بحسب مصادر قيادية في فريق 8 آذار، فإن المشكلة ليست في سوريا بل في لبنان، لأن الأخير عندما يقرر فتح الملف عليه أن يكون مستعداً لقبول الدور الروسي، علماً أن اتفاق الترسيم في الجنوب أخرج الروس من المعادلة عبر الحديث عن منع عمل شركات خاضعة للعقوبات الدولية، وهذا الواقع لن تسمح لا سوريا ولا روسيا بانتقاله الى الشمال، وما خسرته روسيا جنوباً لن تخسره شمالاً، لذلك تؤكد المصادر أن لبنان غير جاهز اليوم للخوض في هذه المسألة لأنه لا يزال يخشى من الموقف الأميركي، وهذا ما يدركه السوريون أيضاً.