اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لهذا نتوقع مفاوضات أكثر صعوبة، وأكثر تعقيداً، مع سوريا. الأسباب سياسية لا تقنية. تفسيرنا لقصة المواعيد كان كاريكاتورياً. هل أقفلت دمشق أبوابها في وجهنا؟!

هذا ليس وقت الكلام الملتبس ولا وقت الهروب من الواقع. أي علاقات الآن بيننا وبين سوريا؟ علاقة العدو مع العدو أم علاقة الشقيق مع الشقيق؟ لا نتصور أن باستطاعة السفير السوري علي عبد الكريم علي أن يدخل أو أن يأمر، حيثما تدخل أو تأمر السفيرة الأميركية دوروثي شيا، أو السفير السعودي وليد البخاري...

قد تكون المعادلة هكذا. نصف لبنان يعتبر أنه شقيق لسوريا ـ البعض هنا يتصف بالببغائية وبالانتهازية ـ (ثمة في دمشق من يستسيغ هذا النوع من الأتباع)، والنصف الآخر يصنّف نفسه عدواً لسوريا، وهو يتكلم، ويعمل، ضدها ربما أكثر مما يتكلم، ويعمل، الاسرائيليون!

رئيس الجمهورية ميشال عون لم يتذكر الرئيس بشار الأسد الا في الأسبوع الأخير من ولايته، وعندما وضع ملف الترسيم على الطاولة. الرئيس نجيب ميقاتي الذي كانت دمشق قبلته السياسية والقومية، لتغدو الرياض قبلته السياسية والدينية، وهو الذي كانت تربطه بالرئيس السوري علاقات وثيقة (وأنا شخصياً شاهد على ذلك ) لم يبادر، ولم يتجرأ، ولو لمرة واحدة، على الاتصال بنظيره في دمشق طوال وجوده في السراي.

وحين كان الأردن (وما يعنيه في الأجندة الأميركي وفي الأجندة الاسرائيلية) يتجاوز الكثير من العقوبات الأميركية على سوريا، كانت تكشيرة من السيدة شيا تزعزع عظام أهل السلطة عندنا، بمن فيهم أصدقاء دمشق...

الآن، اذ نبحث في الزوايا الأميركية، والسعودية، وحتى الايرانية، عن رئيس للجمهورية ربما يسأل مسؤولون سوريون أين نحن من كل الذي يحدث، مع أن الأيام، والأزمات، أظهرت أننا أمام واقع واحد ومصير واحد؟

لا ننفي أن السوريين، وخلال وجودهم في لبنان، صنعوا الأهوال. الحاكم بأمره في عنجر كان يتصرف كقوة محتلة لا تصرف القوة الشقيقة، مع أن الكثير من الضباط كانوا يقولون "ليتنا بأخلاقية الرئيس حافظ الاسد". التمني لا يبرر أن يكونوا بأخلاقية يوري لوبراني.

أجل، ولينزعج من ينزعج، كانت سنوات الوجود السوري سنوات مريرة، كأنها السنوات العثمانية بكل وجوهها. لم يكن هناك من مكان الا للألواح الخشبية ولمحترفي هز البطن.

ولكن، رغم كل شيء، لم يكن لبنان ليبقى دولة لولا سوريا. وحتى أعداؤها يعلمون أن ياسر عرفات (وهذا ما أكده لي أندريه فونتين في باريس) وافق على الطرح الكيسنجري بتهجير المسيحيين واحلال اللاجئين الفلسطينيين محلهم.

حافظ الأسد (أجل حافظ الأسد) هو الذي حال دون ذلك، ولولاه هل كان باستطاعة المقاومة أن تحصل على رصاصة واحدة لدحر الاحتلال، الاحتلال البربري، الذي جثم على صدورنا لنحو عقدين من الزمان وبالتواطؤ مع قادة لبنانيين ما زالوا يراهنون على الاسرائيليين حتى الآن.

السوريون أخطؤوا كثيراً، وكثيرا، حتى لو كان التعامل مع الفسيفساء اللبنانية لكأنه التعامل مع الأدغال. لكنهم، في القضايا المصيرية وقفوا الى جانبنا، وآزرونا.

في كل الأحوال، وحين اندلعت الأزمة في بلادهم، وكان من شأنها تفكيك، وتفتيت، المشرق العربي، بالفم الملآن قال قيادي مسيحي "فليحكم الاخوان المسلمون"، هؤلاء الذين دعوا الى تسريح الضباط، والجنود الأقباط، من الجيش المصري، وفرض الجزية على كل قبطي. لنستذكر التهليل لأصحاب اللحى المسننة الذين كان يعبئون الناس للالتحاق بـ "داعش" و"النصرة"، لا لتقويض النظام في سوريا، وانما لتقويض الدولة فيها.

لنتصور ماذا كان حل بلبنان لو قام الكوندومينيوم التركي ـ الاسرائيلي أو لو تقطعت الأوصال السورية، ودارت حرب المائة عام داخل الحثالة التي استجلبت من أصقاع الدنيا.

الألمان احتلوا باريس، وارتكبوا الفظاعات. مع ذلك، قال فرنسوا ميتران "ليكن الماضي للماضي، والمستقبل لنا"، داعياً مقاتلات المانية للمشاركة في العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني.

لنأخذ بالأمثولة التي أمامنا. ما يحل بسوريا يحل بلبنان وما يحل بلبنان يحل بسوريا. ألان لا رئيس للجمهورية، ولا حكومة. هل يفاوض السوريون الأشباح؟!

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية