اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ما ترك الفساد والمؤامرة زاوية من زوايا المجتمع والادارة في لبنان إلا واستشرى فيه. ففي بلد اختنق فيه الحق وقُوّض القانون، حكمت شريعة الغاب والتي فيها يعمل الكل بمقولة "الشاطر بشطارتو". لا شك في ن الطائفية والتمذهب عنوانان لأصول البلاء في المجتمع، ولكن المفارقة والحقيقة هي ان الطائفية والمذهبية بؤر يُغرِق فيها المسؤولون أتباعهم، في حلبة صراع وعراك يتأجج فيها التحريض بغطاء المذهب والدين، في حين أن المحرضين من كل الفئات سياسيو القضم والجشع. يعتمد سياسيو لبنان، وتحت غطاء العبث الاقليمي ومنذ القدم، سلاح الطائفية للعب بالجماهير التابعة لتحقيق مصالحهم ولزيادة مكاسبهم. وإذا خفت "محاصيلهم" عمدوا الى التجييش، والشعب غارق في وحل التبعية والجوع والتهليل.

التربية غارقة في الفساد

إن عماد المجتمعات تربويوها وأجيالها الصاعدة، فأين لبنان منها ؟ تتالت الوزارات بعديد وزرائها والمديرين العامين والموظفين الوهميين وغير الوهميين. وما زالت رغم السنين الطويلة منجما لا يشبع نهم كثر، ومقبرة تضيع فيها جهود الأكفاء والتربويين الحقيقيين، وتضيع فيها فرص التلامذة، طلاب الغد، في الحصول على نوعية التعليم المنهجي الذي يراعي التطور النفسي والمعنوي والتكنولوجي والمهاراتي، لينتج جيلا طموحا قادرا على بناء المستقبل.

في مقاربة الفساد الحاصل، هناك اكثر من نقطة شائكة، لا تكفي تقارير وصفحات للاضاءة عليها بتفاصيلها وتشعباتها:

- السباق السياسي والطائفي للحصول على وزارة التربية وقت التشكيلات الحكومية.

- المناهج والامتحانات ومنجم التحصيل.

- مصلحة التعليم الخاص، أو ان صحت التسمية "مصلحة المدارس الخاصة". - التعليم الرسمي، تعليم النازحين، الدول المانحة...

- الموظفون الوهميون والاستفادات الخيالية.

من منطلق وطني هام، تعتبر وزارة التربية من أهم الوزارات على الاطلاق، لما تشكله من تربة تزرع فيها نواة اليوم لحصاد المستقبل، ولكنها من منطلق مصلحي جشع، تعتبر من الاهمية القصوى في مكان، لانها منجم من الاموال والاستفادات، فتضع الأحزاب كل ثقلها للحصول على الوزارة، وبعد الكباش السياسي، تولّى الوزارة لاحدى الجهات. ولقد توالت شخصيات عديدة على هذه الوزارة فمن نهض بها؟ وأين هي اليوم؟ للاسف، لم يتم ايجاد مَن ينهض بالوزارة حقا وفعلا وتغييرا، بل أن الحقيقة الصارخة والموجعة هي أن ثروات الوزارة أطعمت وتطعم قلة لتبقى عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من المطلوب.

التعليم الخاص

يمثل التعليم الخاص قوة تفوق سلطة الوزارة في كثير من الأحيان. فلطالما اصطدمت حقوق التلامذة والمعلمين والقطاع بأكمله بمصلحة فرضها القطاع الخاص على الوزارة، والمثال على ذلك آخر فصول الدولرة. فالوزارة أصدرت قرارا يمنع استيفاء مبالغ مدولرة من اولياء الأمور، لتصرح على لسان أحد مسؤوليها بأنهم غير قادرين على منع المدارس الخاصة من استيفاء رسوم بالدولار، ليصار بعدها إلى قبول اعتماد تمويه الرسوم بالتحايل على المسمى واطلاق تعبير "مساعدات".

لا شك ان الواقع الاقتصادي والكلفة التشغيلية وتدهور الليرة، تحتم تعديلا في الاقساط لاستمرار التعليم، ولكن هل من حسيب او رقيب؟ هل تستوفى المبالغ للتشغيل والتطوير وانصاف المعلمين؟ هل تراقب قيمة الزيادات، فلا تكون مجحفة بحق الكل (المدرسة والمعلم والأهل،)…؟ كلها اسئلة مشروعة، ولكن معظم إجاباتها انه في غالبية القطاع الخاص تخدم الزيادة الادارات بالمصاف الأول، والفتات للباقين.

مثل آخر غير الدولرة يكمن في سطوة القطاع وهو المطالبة بالابقاء على الشهادات الرسمية والتقديم الرسمي، لا سيما الشهادة المتوسطة، والتي تعود بالربح الوفير على مستفسدين كثر أولهم المدارس الخاصة، وثانيهم مستفيدون من داخل الوزارة.

مع تطور الحياة، ومع عبء المنهج بمكوناته وتقسيم الامتحانات الرسمية، وجب التخلي عن الشهادة المتوسطة. هذا ما حدا أكثر من نائب في لجنة التربية النيابية، على تقديم مشاريع لالغاء الشهادة المتوسطة، وهذا ما لم يحدث قط، والسبب ان الشهادة المتوسطة تحقق مكسبا كبيرا للخاص، بحيث يعمد الأهل إلى تسجيل أبنائهم في الخاص لتحقيق نجاح مؤكد ومضمون في ظل التنافس على النجاحات، وما يرافقه من تعليم إضافي يعود بالربح الكبير على المدارس في صفوف الشهادات والصفوف التي تسبقها وتليها.

يطول الحديث عن مصلحية التعليم الخاص بفصول وأحداث ووقائع، رغم أن لهذا القطاع جوانب مشرقة ومؤسسات متميزة تنأى بنفسها عن زوايب الدكاكين الضيقة، ولكن من الضروري تنظيم القطاع بعد تنظيم بيت الوزارة الداخلي، لتستتب الاهداف التربوية ومقارباتها، ولتُكَف أيدي المستفيدين لمآرب تجارية لا أكثر .

المناهج والتطوير

مبالغ طائلة يتم انفاقها منذ سنوات لبلورة التطوير المنشود في المناهج المهترئة والمحشوة حد التخمة ، والتي ما عادت تعطي النتيجة والهدف المرجو. تطالعك الوزارة بكوادرها من المعلمين ومسؤولي اللجان منذ سنوات باجتماعات تحجز لمصلحتها قاعات في فنادق، يتم فيها المناقشة والتصويب والاقتراحات، ولكنها حتى الآن لا تعدو كونها اجتماعات وبضع صور وأخبار، وما زال العمل تحضيرا وتخطيطا لا غير دون تطبيق.

اللافت في هذه المعادلة، هو تطور التعليم الخاص في اعتماد مقاربات التعليم الحديث، في حين تبقى المدرسة الرسمية خارج المعادلة. ولكن في المحصلة يقع التعليم الخاص والرسمي في حتمية المنهج والدروس التي يشترط اتباعها في التقديم الرسمي ، ما يجعل عجلة التطوير متعثرة وبشدة.

النازحون والدول المانحة

الملف الأبرز في التربية في هذا الوقت، هو ملف الطلاب السوريين النازحين، والمبالغ الطائلة التي تقدمها الدول المانحة لدعم تعليم النازحين ودمجهم في المدارس اللبنانية.

ومؤخرا ربطت هذه الدول تقديم هذا الدعم المالي والحوافز لمعلمي القطاع الرسمي بدمج الطلاب السوريين بالمدارس اللبنانية مع التلاميذ اللبنانيين، وكان احد الاقتراحات تمديد العمل المدرسي لست ايام اسبوعيا ، ثلاثة منها للطلاب اللبنانيين قبل الظهر، وثلاثة للطلاب السوريين. وهذا ما رفضته وزارة التربية، وتم منذ يومين اعتماد آلية التسجيل بتفاصيلها كما اطلقها الوزير ، والتي تقضي باعتماد التعليم المسائي للتلاميذ السوريين.

وكما هو معلوم تقدم الأمم المتحدة مبلغ 600 دولار عن كل طالب نازح يسجل في وزارة التربية، وللمفارقة تضاربت الارقام في السنوات السابقة، رغم التشديد والتوجيه التي اكدت الوزارات باعتماده لناحية التثبت من الاعداد وحضورها وعدم اعتماد ارقام او اسماء وهمية، غير أنه بالمحصلة كانت أعداد الطلاب تفوق الواقع الحقيقي. فضلا عن زواريب هدر واستفادات فمن المسؤول. وماذا عن التفتيش والمحاسبة والمساءلة؟

مبالغ قياسية تم التراشق بها بين السابق والتالي من الوزراء، وإذا قيل بأنه " دخان من دون نار" لما لا يتم التثبت من الوقائع لمحاسبة المدعي إن كان ظالما. أين الوزارات الأخرى؟ هل بلغ فيها الفساد حدا لا تتحرك من خلاله لإخبار مهما كان؟ أليس حريا أن تتحرك النيابة العامة أو الجهة القانونية اللازمة للتفتيش وإثبات الحق؟ وزاراتان من البديهي أن يبدآ فيهما الاصلاح، وهما العدل والتربية، ولا بد من المباشرة في مكان ما، وتصحيح الاعوجاج الحاصل ليشمل الدولة بكلها.

هذه بلاد مليئة بالطاقات. هل يتم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب؟ هل تكف السياسة يدها عن مرافق الدولة؟ أين الأحزاب بمكاتبها التربوية وشعاراتها الخصبة لأجيال آتية؟ هل يكون لها دور إصلاحي؟ أم سيغرق اللبنانيون في التنظير والتأويل، ويقسم البلد بين ما يحدث فوق الطاولات وتحتها وفي أدراجها؟

الأكثر قراءة

البطاركة يناقشون اليوم الملف الرئاسي في بكركي بحثاً عن مَخرج ملائم ينهي الشغور الحراك الجنبلاطي من الصرح الى عين التينة : لن نبقى في دوامة الورقة البيضاء... بدء العمل برفع سعر الصرف من 1507 الى 15000 ليرة... وأساتذة الخاص يُصعّدون