اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


نتابع الكثير مما يكتب في الصحف، وما يقال عبر الشاشات، في اسرائيل حول التداعيات السياسية، والاقتصادية، وحتى الاستراتيجية، لظهور الغاز في مياهها الاقليمية. لم نلاحظ أية شكوك، على الاطلاق، حول مآل عائدات تلك الثروة التي ربط بعض الحاخامات بينها وبين النصوص التوراتية، كما لو أن اسرائيل الثانية على وشك الولادة...

هناك يوضع رئيس دولة، ورئيس حكومة، وراء القضبان بسبب رشى، أو بسبب ارتكابات مالية، تكاد تكون مجهرية مقارنة بأموالنا المنهوبة بعشرات المليارات ان لم تكن بمئات المليارات.

عندنا، وحيث منطق المغارة لا منطق الدولة، التشكيك بكل الرؤوس، وبكل الرؤساء، حول العائدات التي قد لا يذهب منها سوى النزر اليسير الى الخزينة العامة، دون أن تكون هناك أية عوائق قانونية، أو أخلاقية، تحول دون استمرار النهب المنظم الذي جعل لبنان، وفي نظر ساسة كبار في هذا العالم، في الطريق الى الاندثار.

حديث في الاصلاح السياسي، وفي الاصلاح المالي، دون أي اشارة الى اعادة هيكلة البنية الأخلاقية لمجتمعنا من أعلى الهرم الى القاعدة، وحيث الذئاب (الذئاب المجنونة) توظف كل شيء لمصلحتها، ولمصلحة الأزلام الذين ولدوا حفاة، وترعرعوا حفاة، فاذا بهم من أصحاب القصور، ومن أصحاب اليخوت. أولئك الذين قال فيهم خورخي آمادو انهم يرقصون التانغو على أبواب جهنم...

حتى في اسرائيل تتحدث التعليقات عن "الأيدي القذرة" في لبنان. تساؤلات ما اذا كان صراع المافيات الذي بدأ منذ الأن سيمكّن اللبنانيين من الافادة من مواردهم الطبيعية اذا كان كل ذلك الضجيج وقبل المباشرة بالتنقيب. كرعايا، لسنا ضحايا الفساد بل شركاء في صناعة الفساد.

نستعيد نصيحة وزير الخارجية الفرنسي السابق جان ـ ايف لودريان باخضاع أركان السلطة في لبنان لدورات تدريبية حول اعادة تشكيل الضمير السياسي كأساس في قيام (وقيامة) الدولة، ليس فقط لأن التغيير مستحيل في نظام يقوم على حكم الطوائف، وانما أيضاً لأن المنظومة البديلة قد تكون أكثر شراسة، وأكثر شراهة، في الانقضاض على المال العام.

اذا كان هناك حوار بين الأطراف ـ ولا بد أن يكون حواراً حول التسوية ـ فليكن هناك، كبديل خلاق، حوار حول الموضوع اياه "اعادة تشكيل الضمير السياسي". حقاً... يا لغبائنا حين نفكر بهذه الطريقة السريالية!!

ننتقل الى الوجه الآخر من قصة الغاز، وفي "اسرائيل" تحديداً. ثمة من يبدي خشيته من تأثير تدفق العائدات العملاقة على الشخصية الفلسفية، أو الشخصية الايديولوجية، للدولة. صحيح أن هناك مبالغ اضافية ستذهب الى معاهد البحث، والى تكثيف عمليات التطوير النوعي، والكمي، للصناعات التكنولوجية، لكن النموذج الاسبارطي قد يهتز والى حد الاضمحلال التدريجي، لتحل محله دولة الرخاء التي هي، بشكل أو بآخر، دولة الاسترخاء.

تحذير من المضي (اللاواعي) في اتجاه الهشاشة البنيوية للمؤسسة السياسية، وللمؤسسة العسكرية، على السواء. آري شابيط لاحظ كيف "أننا بدأنا بزراعة البطيخ في النقب كما من يحفر في منجم للذهب". لا يستبعد أن "نسقط في جاذبية الكافيار". هذه هي حال المجتمعات التي تذهب، بخطى حثيثة، نحو الهذيان. هل يعني ذلك اقفال حقول الغاز والعودة الى زراعة البطيخ؟

صاحب كتاب "أرض ميعادي" رأى أن منصات الغاز "ستنتقل بنا الى وضع استراتيجي ملتبس، ومعقد. الخوف على هذه المنصات من صواريخ "حزب الله" أو من صواريخ التنظيمات الفلسطينية ما يعني أننا سنكون أكثر قابلية للمساومة، وربما في مسائل جوهرية تتعلق بالأمن المستقبلي للدولة".

لا بد أن نستغرب اثارة هذه النقطة السوداوية بدخول اسرائيل السوق النفطية. أما نحن فقد بدأنا نستخدم الحد الأقصى من خيالنا حول مستقبل يرفل بالذهب. ولكن، هل لهذه الطبقة السياسية الرثة أن تستثمر الثروة في بناء دولة قابلة للحياة، ولصناعة الحياة حين نستعيد قول خبير في صندوق النقد الدولي "لم يتركوا ثقباً لفأرة دون فساد"؟

بالرغم من ذلك ما بعد الغاز لا يمكن أن يكون كما قبله...

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية