اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وكأنما أصبح اللبنانيون يعيشون في وطن عالق في عنق زجاجة، فيختنق ويخنقنهم. كمّ الفساد المستشري مخيف وخطير ومقلق. لم يعد هناك زاوية في هذا البلد إلا ودخلها الفساد فاتحا ومحتلا. تدخل الواسطة والمحسوبيات في تفاصيل كل شيء، وخاصة الوظيفة والتوظيف. فمنذ قبل الازمة ونظرا للواقع الطائفي التقسيمي واكذوبة العيش المشترك والستة وستة مكرر، كانت الواسطة سببا لنيل وظيفة ، تكون من حصة حزب هنا وطائفة هناك توزع على المحظوظين في الحاشية. وهذا ما كانت نتائجه استفحالا في الفساد والتدحرج نحو الهاوية في بلد سرقت فيه أحلام ناسه ومقدراتهم وقدراتهم حتى ذوى.

التعليم الجامعي : جيب من جيوب الفساد

إذا نظرت تجاه الأهل، كل الأهل، لا سيما المتعثرين الذين لا يتحملون ظروف الحياة ويكافحون ويعيشون على قيد حلم واحد يعوض الواقع المزري الذي يعيشونه، وهو القدرة على تعليم أبنائهم، ليتخرجوا ويحققوا حياة تخلو من الهموم التي يعانون منها.

ولكن هل أصبح التعليم الجامعي حلم للكثيرين؟ هل اصبح حكرا على طبقات معينة؟ او محسوبيات معينة؟

السيد سليم م. وهو رب عائلة مؤلفة من زوجته وابنه الوحيد، يقول: "عجبي من هذا البلد، لو اخبروني ما صدقت ولكنني اختبرت بنفسي." لقد خضع ابنه لامتحان دخول إلى إحدى فروع الجامعة اللبنانية، واللافت كان عدد الطلاب الذين أجروا الامتحانات كبيرا ، لتصدر النتائج بعد يومي عمل، بلائحة أسماء مختصرة. ولدى سؤال السيد سليم عن السبب، وهو الذي نجح ابنه بتقدير في الامتحانات الرسمية ، قيل له من العارفين من الحزبيين وغيرهم في المناطق: "لماذا لم تقل، فاتتك الفرصة، لا قبول إلا بالواسطة".

هذا الموقف ترك العائلة في حالة من الاحباط، فهي عائلة غير متحزبة، ولا تتبع احزابا ولا مرجعيات. ويضيف سليم " لم اطلب خدمة في عمري من أحد. أكافح ليتعلم ابني وليعيش بظروف أفضل، ولكن هل أصبح التعليم تسولا. أكاد لا أصدق ما الذي يريدونه منا، أنا لم اطلب وظيفة، ولا مساعدة مالية لتعليم ابني ، نحن تقدمنا لامتحانات ، قدمنا لنتعلم، هل أصبح التعليم رفاهيةللمقتدرين وللحواشي؟"

لعل السيد سليم مثالا للكثير من العائلات والطلاب الذين يجاهدون في سبيل تعليم أبنائهم، فيما يقتلون بطعنة من الخلف.

الجامعات والسياسة والأحزاب

1- الجامعة اللبنانية: تنتشر فروع الجامعة اللبنانية في المناطق. والمعلوم ان سيطرة الأحزاب تهيمن في المناطق على غالبية المجريات الحاصلة فيها، من التوظيف، إلى امتحانات الدخول والتسجيل والقبول وغيرها.

لم يكن العمل الحزبي التربوي يوما، ليشكل عائقا امام السير السليم للعملية التربوية ، بحيث يكون العمل الحزبي جزء من المجتمع الطلابي الجامعي ويدفع باتجاه مصلحة الطلاب وحقوقهم و... غير ان الواقع مغاير جدا، ففي كثير من الكليات والفروع، لم يعد العمل الحزبي إطار ديموقراطي وتعبوي للإفادة في إطار موضوعي حقوقي حر ، بل أصبح هيمنة وضغطا يضبغ توجه الكليات ويؤثر في طلبتها وسير الامور فيها.

2- الواقع الاقتصادي يزيد الوضع سوءاً : يأتي الوضع الاقتصادي في هذا العام ليزيد الاوضاع سوءا، فيشكل الغلاء عائقا ضخما للكثير من الطلاب الجامعيين. ولما كانت فروع الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة بغالبيتها في العاصمة بيروت أو حصرا في بعض المدن المحددة، يصبح الطلاب وأهلهم امام حلّين أحلاهما مرّ:

الأول: هو التنقل اليوم من وإلى الجامعة، وقد يقطع الطالب ما قد يصل إلى المئتي كلم ذهابا وإيابا يوميا، كأن يتنقل من بعلبك إلى بيروت، أو من أقاصي الجنوب إلى بيروت كذلك. وهذا ما يرتب كلفة نقل باهظة جدا ، نظرا لارتفاع اسعار المحروقات وبالتالي تعرفة النقل. لكن غالبية العائلات غير قادرة على تحمل الكلفة.

الثاني : هو السكن الجامعي، والذي يشكل بدوره كلفة باهظة جدا، نظرا لتردي الاوضاع الاقتصادية، وغلاء الإيجارات والخدمات المرافقة للإيجار كالكهرباء والماء ... يضاف إليه كلقة الاكل والتنقل كذلك.

ولما كان الحلّان غير ممكنين للكثير من العائلات، يصبح التعليم رفاهية غير الممكن، ويبحث الاهل عن حلول مؤقتة وبديلة .

3- جعبة البدائل: تأتي البدائل غير مطابقة للاحلام ولا التطلعات، فينسف في مقدمتها حلم الاختصاص، بل حلم العمر المقبل. إذ يصرف النظر عن الاختصاص المنشود لينظر في المتوافر. وهذا المتوافر يكون عبارة عن اختصاصات محددة في كلية قريبة جغرافيا لمنطقة نائية ، والامثلة على ذلك كثيرة، فكليات الجامعة اللبنانية في النبطية، زحلة، عاليه، عكار، الدبية... وغيرها من المناطق البعيدة عن المدن الكبرى او العاصمة، وتكون في غالبيتها كليات صغيرة، من حيث المساحة ومن حيث القدرة على الاستيعاب.

ومن هنا ، فالحل الذي ينتهجه الاهل او الطلاب المتعثرون ماديا للوصول إلى المدينة، هو القبول بالاختصاصات المتوافرة في الكليات القريبة. ولكن قد يقبلون تصفير الأحلام لتناسب المتوافر، ويرضون بهذا المتوافر ، فيما لا يرضى المتوافر بهم. إذ ان العدد القليل الذي تستقبله هذه الجامعات ، وتحكم أحزاب المناطق في المتقدمين والناجحين، يجعل التعليم الجامعي حكرا على قلة.

4- شباب جامعي خارج الجامعات: تعج المناطق على اختلافها بمئات الشبان والشابات الذين لم يسعفهم الحظ لإكمال تعليمهم الجامعي. فتراهم واهلهم يتخبطون في هذا الواقع، يرفضونه ويبحثون عن بدائل نادرا ما ترقى لمستوى الحلم.

شادي ، طالب انهى العلوم العامة بتقدير جيد جدا، يجوب شوارع ميدون على متن دراجة نارية مستعملة ، اقترض ثمنها ويعمل في خدمة التوصيل المنزلي. لدى حديثك معه ، تعجز ابتسامة وجهه عن إخفاء مرارته. يقول شادي: " يبدو ان حلمي اكبر من الواقع، رغم أنني لم أطالب بغير حقي ، وهو ان اتعلم واختار اختصاصا انشده. قبلت اختصاصا آخر ولم يتم قبولي، رغم أنني متأكد من نجاحي، فمرات يعيدون عدم القبول للعدد، ومرات لغياب "الواسطة" . واسطة ماذا، ماذا طلبت ، كل ما اردته ان اتعلم".

وعما إذا ما كان سيكمل في العمل الذي اختاره ويترك حلم التخصص يقول شادي: " أصبحت أحلامي تتمحور حول الهجرة إلى أي بلد كان، إلى حيث تحترم حقوقي كإنسان وتقدم لي فرصة العلم والنجاح والتقدم. لم اكن أحب السفر ولا الهجرة، ولكنني اليوم اعتمدها حلما ينقذني من كآبة ألمت بي ومزقت أحلامي، لتحصرها في دراجة نارية وعمل يزيدني كل يوم وجعا على ذاتي وعلى أهلي".

وأما إيلينا، وهي الطالبة المتفوقة التي امتلات وسائل التواصل بصورها لنجاحها الباهر في علوم الحياة، فلم تجد بدورها مكانا لها على مقاعد الجامعة. بل ها هي تعطي ساعات " زومبا" في أحد نوادي البترون، ريثما تجد الفرصة الملائمة لتكمل تعليمها الجامعي وتتخصص في الاختصاص الذي لطالما حلمت به.

كم من شادي وإيلينا في البلدات اللبنانية، ومنهم من لم يجد حتى فرصة العمل المؤقت. وكم من سلف لشادي وإيلينا استمروا عبر السنين بوظيفة بديلة، ريثما يصطلح الوضع، فما اصطلح وما اكملوا تعليمهم الجامعي.

من المسؤول عن هذا الوجع والتعثر والإحباط؟ ما دور الوزارة في التوجيه وفي ابتداع الحلول كتأمين دوامات متعددة، او نقل طالبي منخفض الكلفة أو...؟ أين الأحزاب المتبجحة بمكاتبها الطالبية؟ إلى متى سيستمر كل فريق يخدم جماعته من ذوي الواسطة؟ متى تُكسر عنق الزجاجة ؟ ومن فرضها على الطلاب مُسكّنا؟

الأكثر قراءة

البطاركة يناقشون اليوم الملف الرئاسي في بكركي بحثاً عن مَخرج ملائم ينهي الشغور الحراك الجنبلاطي من الصرح الى عين التينة : لن نبقى في دوامة الورقة البيضاء... بدء العمل برفع سعر الصرف من 1507 الى 15000 ليرة... وأساتذة الخاص يُصعّدون