اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يا للغرابة، حين يفاجئنا ناخب أميركي بالقول لاحدى شبكات التلفزة "اليوم أشعر كما لو أننا أمام لبننة أميركا"! لم يقل ـ مثلاً ـ صوملة أميركا. هل بات واقعنا مروعاً الى هذا الحد؟ الى هذا الحد وأكثر...

هي أمبراطورية، وحدودها تمتد من الأرض الى الكواكب الأخرى ، ونحن دولة مجهرية بالكاد تظهر على الخريطة. ولكن ما تناهى الينا يوم الانتخابات النصفية يشير الى وجود اختلال كارثي في البنية السوسيوسياسية لأميركا.

استطلاع الـ CNN أظهر أن 70 % من الأميركيين خائفون على الديموقراطية، الكثيرون كانوا يقترعون بأسنانهم (أين كانت البنادق؟). القس البروتستانتي هنري ايرفنغ سأل "أي أيام مجنونة في انتظارنا"؟

التماثل بيننا وبينهم بالشعارات وبالمواقف. الكراهية والعنصرية والنرجسية في ذروة احتدامها. هذا لا يحول دون وجود من يقول "لا" لجو بايدن "الذي يجره الجنرالات كما تجر الثيران عربات القش"، و"لا" لدونالد ترامب الذي "تنبعث النيران من أذنيه"، والذي، ان عاد الى البيت الأبيض، لا بد أن يحل حملة الفؤوس محل حملة الدستور في تلة الكابيتول...

بول كروغمان، الحائز  نوبل في الاقتصاد، يرى أن المال تحوّل الى ظاهرة ايديولوجية وتستوطن اللاوعي الجمعي، ما يحد من ديناميكية المفاهيم الأخلاقية، وحتى المسيحية، في الولايات المتحدة. هو وحده بات العامل الأساسي، ليس فقط في قيام الدولة، بل وفي بقائها أيضاً. هذه مسألة خطيرة. لا أحد من الساسة يكترث لذلك، بل انهم يعزون التصدع الحالي الى أسباب لاجوهرية.

من هنا، كانت الآراء الداعية الى الاتيان برئيس يكون بمواصفات الرؤساء الأوائل الذين كان يعنيهم كيف يجعلون من المهاجر "كائناً أميركياً"، لا مجرد باحث عن الثروة في متاهات الغرب الأميركي.

المال كايديولوجيا، بحسب القس اللوثري، "يدفعنا أكثر فأكثر الى مراقصة الحطام". هذا ما قد يستتبع الفوضى، وربما الانقلاب العسكري الذي يكرس صيغة للحكم على شاكلة تلك الشائعة في بلدان العالم الثالث.

بدل "جمهورية الموز أمبراطورية الموز". ولكن، هل يمكن للولايات الخمسين، اذا تفكك العقد الاجتماعي (وهنا العقد القومي)، أن تبقى على تماسكها؟ هذه مسألة مستحيلة. حتى في أزمنة الذروة، كانت هناك ولايات تعمل للانفصال بذريعة أن الولايات الأخرى عالة اقتصادية واجتماعية، وحتى حضارية عليها...

بايدن بدا يوم الانتخابات النصفية نسخة عن دونالد ترامب الذي كان يحث البيض على الادلاء باصواتهم، كيلا تتحقق نظرية صمويل هانتنغتون حول انتقال الأكثرية، ومعها السلطة الى الملونين. بايدن حاول استثارة الناخبين الذين يتحدرون من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بتذكيرهم أنه فعل الكثير من أجل أن يندمجوا في المؤسسة، ويكون لهم دور مؤثر في ادارة هذه المؤسسة.

باحثون تساءلوا ما اذا كان يمكن أن تعالج أميركا أزماتها البنيوية بتلك المعايير التي تفتك بـ" الروح الأميركية". في محافل شتى، الكلام عن "المرض الأميركي" الذي يفترض التصدي له لا بوضع الكمامات على الأفواه وعلى الأدمغة، وانما برؤية خلاقة وبعيدة المدى، تتجاوز المفهوم الكلاسيكي للسلطة أو للصراع حول السلطة.

لا يغيّر شيئاً أي تبدل في موازين القوة داخل الكونغرس. هذا يكاد يصبح تقليداً في تاريخ الانتخابات النصفية. من أصل 19 عملية انتخابية تمكن حزب الرئيس من الفوز مرتين فقط، سواء كان الرئيس القوي أم الرئيس الضعيف أو حتى... الرئيس المجنون!

حالياً، المشكلة تأخذ منحى آخر. أوبئة متشابكة تستشري داخل المجتمع الأميركي والى حد التحذير من أن "تكون نهايتنا، بشكل أو بآخر، كما نهاية الهنود الحمر"، وحيث الصراع بين قبائل ظلت بعيدة عن ذلك الشيء الذي يدعى "عبقرية الدولة" أو "عبقرية التاريخ".

الزنجية الحائزة نوبل في الآداب كتبت "أولئك الذين يهللون للصراع بين الثور الأبيض والثور السود، تراهم يدرون أن أميركا، المضرجة بالدم، وحدها التي تسقط أخيراً في الحلبة".

لبننة أميركا... يا للغرابة!!

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية