اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لطالما كان هذا العنوان موضع جدل بين الكثير من الناس في المجتمعات الشرقية والغربية، إن كان في البيت والجامعة والعمل او في اي مجتمع كان صغيرا او كبيرا، منفتحا او متزمتا، متقدما أو متخلفا.

فالطاعة بالمفهوم الضيق للكلمة هي شكل من اشكال القبول او الإمتثال لآراء وأفكار الآخرين. بمعنى آخر هي التأثير الإجتماعي الذي يخضع فيه الأشخاص لأوامر وتعليمات من جهة مسيطرة إن كان في الشكل او المضمون او الاثنين معا. فالأغلبية المهيمنة تعمم بطريقة مباشرة رأيها على الآخرين بل اكثر من ذلك هي تفرض رأيها و نهجها وفكرها في الكثير من الاحيان ويكون المتلقي ساكتا خاضعا لرأي الجماعة دون اي تفاعل او ردة فعل ايجابية او سلبية. ومن هنا تبدأ القصة!

نعم شئنا أو أبينا وفي الكثير من الحالات وعن معرفة أو عدمها، نحن نعيش حالة "الطاعة العمياء". فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا نظرنا الى حالنا في لبنان لوجدنا أن غالبية الشعب اللبناني راضية بالوضع الاجتماعي والاقتصادي السيئ الناتج عن دستور أكل الدهر عليه وشرب وأصبح خارج الخدمة بل انتهت صلاحيته ونحن لا نزال متمسكين به خانعين و طائعين له كأنه كتاب من كتب الله. وهنا أسمح لنفسي أن اقول حتى في الكتب السماوية لا يجوز التسليم الأعمى ولا تجوز الطاعة العمياء لأن ما اوصانا به الأنبياء أن نكون حكماء كالحيات مخالف في الجوهر عن مبدأ الخضوع الكلي والطاعة العمياء.

إذا لا تجوز الطاعة العمياء لا في الدين ولا في الدنيا فالله عز وجل أعطانا العقل والفكر والأهم أعطانا الحكمة كي نكون قادرين على التحليل والنقاش والنقد ومن ثم القبول أو عدمه.وهذا ما اكد عليه الراهب اللبناني الماروني جوزيف قزي حينما كتب "إن الطاعة العمياء غير جائزة فهي تتنافى مع مفهوم الوحي كما تتنافى مع كل حوار يسير بالتاريخ قدما. إن الطاعة العمياء تتنافى مع مشروع الله في خلاص الإنسان".

أمام هذا الواقع لا بد من أن نسأل:

ما الذي يجعل الإنسان مطيعا إلى درجة العماء؟

هل الخضوع لرأي الأكثرية يفيد هذه الأكثرية؟

هل أن الطاعة في تربية الاطفال مطلقة؟

ما هو دور الدين في ترسيخ مفهوم الطاعة العمياء؟

ما هو تأثير العائلة على شخصية الفرد؟ هل القبول الأعمى يبدأ في كنفها؟

كيف للمدرسة والجامعة أن تعملان على خلق توازن في مفهوم الطاعة لدى النشء؟ هل عبر الحوار؟ هل عبر عدم التلقين؟

مما لا شك فيه أن مفهوم الطاعة يندرج ضمن سلة الحقوق والواجبات بمعنى معرفة ما هو لي وما هو لغيري وضمن مفهوم الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير والقدرة على تقبل فكر من حولي ومناقشته والفصل ما بين ما هو ضمن معتقداتي و مبادئي و ما هو عند المجموعة المهيمنة.

الطاعة العمياء هي سلوك خطير يعتمده من هم في ولاء كلي لزعيم سياسي او رجل دين او صاحب عمل او قائد عسكري او وجيه عشيرة ويندرج هذا السلوك في أغلب الأحيان ضمن المصلحة الشخصية أو مصلحة العائلة او مصلحة العشيرة او الطائفة.

فمثلا الطاعة المطلقة للزعيم السياسي لا تجوز على الإطلاق فنتائج هكذا سلوك تكون كارثية على المجتمع وسياسة القطيع من أسوأ السياسات لأنها مبنية على غسل الادمغة وعلى "قال الزعيم وبس". وفي الكثير من الأحيان إن لم تقدر السلطة الحاكمة على ترويض أو تطويع فكر ما، اغتالته فورا.

يعتمد فرض الطاعة المطلقة وجود مذهب او حزب وحيد، عسكري التنظيم، يستجيب لمفهوم سياسي أصولي لايعترف بحق الوجود لأي حزب سياسي منافس، يسيطر ويراقب جهاز الدولة، يديره القائد الزعيم الذي يعتبر من أهم المعالم المميزة للنظام الشمولي .هذه هي إيديولوجية دولة تحتوي على أبعاد خارج حدودها تدعي أنها تهدف إلى تحقيق نوع من الحرية الجماعية الأسمى من حرية الأفراد منفصلين، إلا أنه في سبيل تحقيق هذا الهدف تسحق الحريات الفردية فيسيطر جهاز أمني قوي يستخدم العنف والترهيب في التعامل مع الشعب والمعارضة بحجة القضاء على الصراعات الداخلية فيعمد الى الهيمنة على وسائل الاتصال وإلى ترهيب وسائل الاعلام وترغيب جزء منها لإخضاع الجمهور لرؤية الحزب وبالتالي السيطرة على وعي المجتمع، وهذه هي قمة الطاعة العمياء. اذا سياسة الزعيم دائما على حق اوصلتنا نحن العرب إلى ما نحن عليه اليوم.

اما الطاعة العمياء لرجال الدين هي ايضا من اسوأ السلوكيات في عصرنا هذا فالتعصب الديني هو الظلام الأسود الذي يسود العالم اليوم. هو الذي يستباح بإسمه دماء الأطفال والنساء والشيوخ وتقتل فيه النفس بغير حق فتتجلى الطاعة العمياء بلونيها الأحمر والأسود لما يرمزان إلى الدموية في التعامل والرجعية في التفكير. تكمن المشكلة في استقبال المعلومات والفكر والثقافة من مصدر واحد، فما يقوله مرجعي الديني هو الصحيح وما تعلمني اياه طائفتي هو الحق المطلق الذي يجب أن أستميت في سبيله والذود عنه. وكل شيء خارج هذا النطاق الضيق لا يناقش لا من قريب ولا من بعيد. وهنا تتجلى أيضا الطاعة العمياء بأقتم صورها وابشع ملامحها.

على الصعيد المهني تختلف النظرة إلى مفهوم الطاعة، فالطاعة في العمل الجماعي تعكس مدى التناغم داخل الصف أوالمؤسسة، وهي المعيار الحقيقي لإلتفاف الأفراد حول الأفكار المركزية، أو القرارات التي يتم اتخاذها، وهي تمثل نسبة عالية من نجاح العمل، لأنه لا قيمة للخطط والقرارات دون تنفيذ أو إنجاز جماعي ذات هدف واحد وخطط واحدة متفق عليها ورؤية واحدة واضحة المعالم. ولكن لا يجب أن تكون هذه الطاعة مفروضة فرضا لا عديدا ولا عتادا ولا خططا معلبة بل يجب أن تكون كل العناصر طوعية بمعنى الرضى والقبول بأي شيء منطقي يتفق عليه يصب في صالح المؤسسة واستمرارها، فوجب أن يكون كل ذو إختصاص في مكانه، وكل صاحب خبرة وتجربة في سدة المسؤولية وليعط الخبز للخباز ولو أكل نصفه!!

على المستوى التربوي، إن كان في البيت أو في المدرسة أو في الجامعة يتم بناء المداميك الأولى للطاعة وتكون المراحل الاولى الأهم في مسيرة الإنسان فإما أن ينشأ الطفل على معنى الحوار والنقاش وتقبل الآخر ويعي معنى الحرية وحدودها وكيف يجب أن يتواصل مع الغير بإحترام ورقي ومن الند للند وإما أن يكون

منغلقا متقوقعا متزمتا يقبل رأي زعيمه فقط لا يناقش ولا يحاور وحدود حريته هي ما رسمه الزعيم له وما فرضته العشيرة وسمحت به عائلته. هذه الأنماط من الناس تكون خطيرة على المجتمع لاحقا ويكون سلوكها متطرفا إما الهيمنة المطلقة والتسلط على الغير كردة فعل على ما عاناته في صغرها وإما خضوع واستسلام وطاعة عمياء لولي نعمتها.

كل هذه السلوكيات ترضي بمكان ما الطرفين المطيع وطالب الطاعة ولكن كل هذا يتم لفترة محدودة وذلك لإنقضاء المصلحة ومن بعدها يذوب الثلج ويظهر المرج ويبدأ التمرد. وهنا يصح القول :اذا اردت ان تطاع اطلب المستطاع".

في الختام اقول ان الطاعة العمياء مرفوضة جملة وتفصيلا وبديلها هو الحوار لأنه في الحوار تبنى العائلة وينتظم المجتمع وتشاد الاوطان ويبنى الإنسان.

وإذا كان لا بد من طاعة مطلقة فهي للخالق فقط بمعنى القبول بتدبيره والتسليم لمشيئته فهو العارف بحاجيتنا اكثر من ذواتنا.



الأكثر قراءة

مبادرة فرنسا الرئاسية تنتظر تعاونا اميركيا مباشرا ومشاركة سعودية ايجابية ميقاتي مستنفر لتأمين «عيدية كهربائية» عشية الميلاد ورأس السنة... والالية جاهزة حزب الله: لا رئيس الاّ من بوابة التوافق... وجعجع: لا مشكلة مع القادر على الانقاذ