اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

هذا ما فعلته الحرب بالسوريين. الكاتب الاسباني خافيير كاستيّو، صاحب "يوم ضاع العقل"، قال في اطلالة بانورامية على الآثار السيكولوجية للحرب الأهلية في بلاده، "الحرب لا تنتج الملائكة. على الأقل تنتج... المجانين". كيف لم يقل أنها تنتج اللصوص والقتلة، أولئك الذين يتغلغل في عظامهم شبق المال وشبق السلطة ؟

بالرغم من التجاوزات المروعة لبعض الأجهزة، وغالباً ما كانت تبرر بالقول أن اليد الحديدية للحيلولة دون الأيدي الغليظة والتسلل الى الداخل، كانت سوريا بمثابة الفردوس الأمني. طعنة سكين، أو سرقة منزل، كانت تهز المجتمع مثلكا كانت تهز حتى القصر الجمهوري.

في لبنان عشنا أهوال الحرب الأهلية، وحيث تحوّل طلاب الجامعات الكبرى الى حملة فؤوس. الأقبية والآبار التي كانت تلقى فيها الجثث المقطوعة الرأس. الجماجم المكدسة على عربات الخضار. حتى الآن، لا تزال ثقافة الكراهية تستشري بين الطوائف، كضرورة استراتيجية مبرمجة لملوك الطوائف، لكأن ثقافة الكراهية لا تفضي تلقائياً الى ثقافة الدم...

أكثر من مرة عدنا الى كلام الروائي الأميركي دوغلاس كنيدي الذي زار لبنان "هنا، لا تدري ان كنت في الجنة أم كنت في جهنم" .

ثمة حقيقة (مصيبة) على الأرض. النازحون السوريون الذين يناهز عددهم نصف اللبنانيين المقيمين تحولوا الى مشكلة بنيوية. هم أهلنا. لكن الكثيرين منهم شهدوا عن كثب (ولعل هناك من شارك أيضاً) ما كانت تقوم به الفصائل البربرية تحت تلك الشعارات الايديولوجية التي تشكلت في كهوف تورا بورا. المليارات نثرت عشوائياً. في هذه الحال، كيف لا يتغير الناس؟

ذاك الذي قتل الفتى ايلي متى بثلاثين طعنة لغرض السرقة، ألا تكفي طعنة واحدة؟ هذه يد "داعشية" وأعصاب "داعشية" حين يصطحب القاتل أمه للتعزية بالضحية.

طبيعة الجرائم التي وقعت جعلت كثيرين يتوجسون من أي نازح سوري، وان كنا نعلم أن غالبيتهم بعيدون كلياً عن هذا النوع من الاجرام، الذي لم يوفر فتاة عائدة من الصلاة في أحد الأديرة لتتعرض للقتل، ولما هو أكثر بشاعة من القتل...

كنا نشتكي لياسر عرفات من تجاوزات من كانت تطلق عليهم تسمية "الفدائيون"، وكيف كانوا يعتدون على المنازل وعلى الحرمات، وكان يجيب بأن تلك الحالات، وكانت بالآلاف، حالات فردية، ولقد لاحظنا ما كانت نهاية تلك الحالات.

آلاف الأرمن لجأوا الى لبنان في ظروف لا تقل مأسوية عن مأسوية ظروف النازحين السوريين، دون وقوع أي جرائم من النوع الشائع الآن. لم يظهر سوى "غارو"، القبضاي الظريف، الذي أرداه رجال الدرك وأضاء شخصيته غاري غربيديان في فيلم حمل اسمه .

هؤلاء ليسوا السوريين الذين نعرفهم، وان كنا، ابان الوجود العسكري السوري في لبنان قد لاحظنا مظاهر لا صلة لها بالعلاقات الأخوية بين البلدين. نعلم الكثير أي قيم وأي تقاليد شفافة وراقية تجمع بين السوريين. لكننا كنا بعيدين عما يمكن أن يدعى بـ "الخلل السوسيولوجي" لدى بعض البيئات الاجتماعية.

نادراً ما تجد زوجة واحدة في الخيمة الواحدة. زوجتان أو ثلاث، مع قبيلة من الأولاد الذين يدفعون الى سوق العمل وهم في السادسة أو السابعة. ثم يحدثونك عن حالة البؤس التي يعيشون فيها.

الأخطر من ذلك أن لاجئي المخيمات، في كل مكان من العالم، كبيئة هشة، الأكثر قابلية للاستخدام في أي سيناريو يمس بالبنية الأمنية، أو بالبنية السياسية للبلد المضيف. مرات عديدة تحدثنا عن ذلك السيناريو الذي يرمي الى توطين النازحين واللاجئين لاحداث تغيير

ديموغرافي ودستوري في التركيبة (والصيغة) اللبنانية.

مثلنا ليسوا بالملائكة، ولا بالمجانين. ومن الطبيعي أن يسلط الضوء على الجرائم التي يرتكبوها. بشكل أو بآخر هم ضحايا تلك الحرب التي لا نظير لها في التاريخ. ولكن هل حقاً، أن ما من نازح في المخيمات، الا ويحمل سكيناً استعداداً لأي طارئ؟

الأكثر قراءة

الإجراءات القضائيّة ــ الأمنيّة لوقف عمليّات المضاربة «إبرة مورفين»... والعبرة بالتنفيذ باسيل يستدرج العروض الخارجيّة... وباريس تواجه مُجدّداً «فيتو» سعودياً على الحريري! الانقسام في «الجسم» القضائي يتعمّق... إضراب عام في 8 شباط... والعام الدراسي مُهدّد