اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

انطلاقاً من دعوة غابرييل مارسيل «لتمتلئ رؤوسكم مثل رؤوس الملائكة بالله، لا أن تكون ... رؤوس العناكب». فيلسوف «الوجودية المسيحية»خشي أن «تلوذ أرواحنا، كما الأرواح الشريرة، بشقوق الجدران»!

هكذا باتت حال «العبقرية اللبنانية». اذا اشترى مسلم عقارأً في الأشرفية لكأن السلطان العثماني يدك أبواب القسطنطينية. واذا اشترى مسيحي قطعة أرض في الخندق الغميق لكأن غودفروى دو بويون يدخل بالدم بيت المقدس.

أين هو التنوع، وأين هو الانفتاح، وأين هو التفاعل، بل اين هو العيش المشترك الذي نتغنى به على مدار الساعة؟ من هنا بالذات، تسقط الصيغة، ويسقط النظام، ويسقط لبنان الذي طالما فاخرنا بوصف البابا يوحنا بولس الثاني له بكونه «أكثر من بلد. انه رسالة».

على أحد مواقع التواصل قرأنا هذه العبارة بالفرنسية «تأهبوا لصدّ الهنود الحمر». لكن هذه القبائل البدائية تستقبل بحفاوة منقطعة النظير في مطاعم، ومقاهي، ومحلات، المنطقة اياها. شخصياً، تعنيني كثيرأ شوارع الأشرفية، ومقاهي الأشرفية، ومكتبات الأشرفية، لأنني أشعر بأنني لست نصف لبناني، ولا نصف بشري...

ماذا يعني لبنان اذا بقي هكذا، في منتصف الطريق بين الصومعة والقوقعة، وبين الخندق والمقبرة؟ وأي لبنان اذا استقرت كل طائفة داخل غيتو، كما الغيتو التوراتي، موصد أمام الآخر، لكأننا أمام مقولة جان بول سارتر «الجحيم هو الآخرون» .

مثل هذا الأمر لم يحدث الا في زمن العبودية في الولايات المتحدة.»ممنوع دخول الزنوج والكلاب» .من هم في هذه الحال زنوج الجمهورية...؟

حتى داخل الطوائف، ثمة مناطق بخمسة نجوم، وأخرى على شاكلة ضواحي الصفيح. اذاً، اطردوا زياد الرحباني من منزله لأن فيه شيئاً من هولاكو، وهو يحطم كل أثر لما فعله العقل البشري على مدى قرون.

اذا كان صمويل هانتنغتون قد أطلق نظرية «صدام الحضارات»، وحذر من اكتساح الملونين للسلطة في الولايات المتحدة، ومن البيت الأبيض الى الكونغرس والبنتاغون، وصولاً الى وول ستريت، وحيث تتولى الفيلة ادارة العالم، بل وادارة البطون الفارغة في هذا العالم، ماذا يمكن أن نطلق على النظرية التي يدعو اليها أكثر من هانتنغتون لبناني؟ «صدام الطوائف»...

كلنا أقليات ما دمنا نرفض أن نكون أكثرية لبنانية. وكلنا في هذا السياق الجهنمي في الطريق الى الاندثار. البديل جاهز وينتظر الرصاصة الأولى. نقطة الدم الأولى...

نعلم أننا مررنا في تجارب مروعة، وأننا قطعنا بالفؤوس رؤوس بعضنا البعض، ونعلم أننا ورثة القرن التاسع عشر في ارساء المفاهيم (مفاهيم العار) في التبعية للآخرين، دون أن نأخذ الأمثولة من تلك التجارب، وندرك أن لعبة المصالح الاقتصادية والجوسياسية، أزالت من الوجود ديناميكية القيم. حتى الأديان ذهبت أدراج الرياح. هنا صراع الكراهيات...

لا الوجود المسيحي في لبنان يعني القوى المسيحية في الغرب، ولا الوجود الاسلامي يعني القوى الاسلامية في الشرق، الا كدمى في أسواق الأمم.

ليس فقط التدهور المالي، والتدهور الاقتصادي (لا تنسوا التدهور السياسي)، وراء بلائنا (بلاؤنا العظيم)، انما التدهور الطائفي. التدهور الى قعر التاريخ، كما التدهور الى قعر الايديولوجيا. ولنأخذ بنظرية هنري كيسنجر حول الصراع في الشرق الأوسط. عندنا أيضاً الصراع بين نصف الله والنصف الآخر. لمن الغلبة ـ أيها السادة ـ في نهاية المطاف؟

هذا ليس من اختصاص صندوق النقد الدولي الذي يتعامل معنا كهياكل عظمية مكدسة إما تحت الثريات أو تحت سقوف التنك. خبراؤه لا يرون بلغة الأرقام، سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد (جبل النار). الأزمة في لبنان أزمة بقاء أو لا بقاء، ما دمنا قد آثرنا تكريس ثقافة الغيتو بالوجوه المغلقة والأبواب المغلقة. وهنا الأساس في وجود أولئك الديناصورات فوق أكتافنا.

انتخاب رئيس للجمهورية (أين نلسون مانديلا أو مهاتير محمد اللبناني؟) لا يغيّر شيئاً في المشهد. صدام الطوائف فوق أي صدام آخر. لهذا نقول لأصحاب المقامات (السامية) المشكلة في مكان آخر. لا أحد يريد أن يطرق هذا المكان... 

الأكثر قراءة

حزب الله" كقوة سياسية ضاربة