اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الفرنسيون حائرون. أيلقون باللائمة على جورج كليمنصو لعقده تلك الصفقة العشوائية مع البطريرك الياس الحويك، تحت الثريات الفاخرة في قصر فرساي؟ أم يلقون بها على هنري غورو لاعلانه من قصر الصنور، انشاء «دولة لبنان الكبير»، دون اعتبار السيرورة التاريخية والايديولوجية للدول؟

ولكن، هل هو الجانب الفرنسي أم الجانب اللبناني الذي تخلى عن فكرة الدولة المسيحية، والحاق طوائف أخرى بها لتأمين الأيدي العاملة والمحاصيل، بعدما باد سكان قرى مسيحية عن بكرة أبيهم بسبب المجاعة عام 2015؟

ثمة شيء آخر بقي تحت السطح. الفرنسيون كانوا يدركون مدى الفارق الهائل بين اليهود بالأرمادا السياسية والمالية وحتى اللاهوتية على ضفتي الأطلسي، والمسيحيين الذين غالباً ما اعتمدوا على سواعدهم، وعلى البعثات التبشيرية في تقديم الخدمات النوعية، لا سيما في قطاع التعليم. دور الأساطيل كان آنياً ومتقطعاً.

بطل المارن أخذ معه تلك الوثيقة الى العالم الآخر (اذا ما سئل أمام الله) التي تثبت أنه أرغم على ذلك الاعلان من قبل قيادته، لقناعته أن واقع المنطقة التي بقيت لأربعة قرون، وربما أكثر تحت خط الزمن، لا يتقبّل دولة تقوم على التنوع. من هنا كان اقتراحه اقامة فديرالية بين الدويلة المسيحية والدويلات التي تم ابتداعها في سوريا. وكان لهذا الاقتراح أن يشق طريقه الى التنفيذ لولا صرخة البطريرك الحويك وتهديده بالثورة ضده.

اذ هوى لبنان الى القاع، وحيث تستحيل العودة الى صيغة الطائف، وهو ما يتبين من مواقف مقامات سياسية ودينية، لا جدوى من نبش القبور، بل يفترض أن نحفر بمعاولنا كوّة في هذا النفق، حسبما نصحنا جان ـ ايف لودريان. لكننا صممنا بثبات أن نحفر قبورنا بأيدينا!

لا ندري ما اذا كان سفيرنا في باريس رامي عدوان يبعث بتقارير (لمن يبعث التقارير؟) حول ما يقال في الاليزيه وفي الكي دورسيه، عن أن قيام ـ لا قيامة ـ لبنان يحتاج الى معجزة، كون الأيدي الداخلية تتشابك مع الأيدي الخارجية في الدفع باتجاه المزيد من الخراب...

لا بد أن يكون سعادة السفير قد قرأ ما كتبته «اللوموند»، وهي الصحيفة الرصينة التي يدرك مدى حساسية معلوماتها وصدقية مصادرها، حول «توقف لبنان عن أن يكون دولة». كارتل من القيادات الطائفية التي تتماهى كلياً مع قيادات المافيات. لا قضية لهؤلاء سوى البقاء على الكرسي، ولو كان... الكرسي الكهربائي!

الصحيفة وصفت لبنان بـالـ Monstre، أي بالوحش الذي لا تمكن السيطرة عليه، بعدما تداخلت الفوضى السياسية مع الفوضى الاقتصادية والنقدية، وصولاً الى الفوضى القضائية.

حتماً، بعد حين الفوضى الأمنية. نتصور أن الجنرال جوزف عون شديد التخوف من أن يهدد هذا التسونامي الأبوكاليبتي المؤسسة العسكرية، ما يحمل بعض الضباط على الدعوة الى خطوة توقف حال الانهيار. لكن الوضع في لبنان أكثر تعقيداً بكثير من أن تتم معالجته بالدبابات...

أكثر من جهة سألتني عن الجدوى من الصراخ أمام باب هذه الغابة، أو هذه المغارة، وأنا ممتنّ للاستاذ شارل (شارل أيوب) لأنه لا يعترض لا على الصرخة، ولا على أي كلمة أكتبها في وجه أولئك الديناصورات الذين لا يصلحون حتى وقوداً للجحيم...

معلوماتنا الباريسة تقول ان ايمانويل ماكرون يزداد يأساً حول مصيرنا. ما يتسرب في الدوائر الديبلوماسة والاعلامية، أن الاليزيه يرى أن القوى الداخلية غير معنية بالتفاهم حيال حل ما، بما في ذلك الاصلاحات الهيكلية. كل منها له رؤيته البعيدة عن رؤية الآخر للدولة.

الرئيس الفرنسي لم يجد من يفتح له أذنيه (والأهم قلبه) ان في واشنطن أو في الرياض. واذا كنا نعلم ما يجول في رؤوس الأميركيين (و»الاسرائيليين»)، نعلم أن السعوديين يشيحون بأنظارهم كلما ذكر اسم... لبنان!! 

الأكثر قراءة

حزب الله" كقوة سياسية ضاربة