اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كتبت الأستاذة هيام فرج عبر حسابها:

عندما نتكلم عن المطبخ اللبناني، سرعان ما تخطر على بالنا صورة مائدة الطعام لدى العائلة اللبنانية التي تشتهر بغنى أصنافها وتعدد أطباقها بدء"من "صحون المقبلات "ا المتنوعة وصولا الى أطباق الحلوى في آخر وجبة الطعام . مائدة الطعام هذه الجامعة للعائلة ، والأقارب ، والأصدقاء ،التي تمد في كل مناسبة كمائدة رمضان ،ومائدة الأعياد ،ومائدة الميلاد ،ومائدة رأس السنة ،ومائدة الأحد ومائدة الجمعة...او تجعل من ولائمها هي المناسبة بحد ذاتها . يتحلق الجميع حولها يأكلون ويشربون ،يمزحون،ويضحكون ،يستعرضون آرائهم في الحياة والأدب والسياسة والعمل، يسترجعون ذكريات مضت ،ويحلمون بغد آت . مائدة تجمع الكل حولها كبارا وصغارا ،كهولا وشبابا .

ومن شاهد فيلم "غدا العيد" مثلا - وأعمالنا التلفزيونية والسينمائية زاخرة بمشاهد مائدة الطعام العائلية - للوسيان أبو رجيلي سيرى بأم العين أهمية مائدة الطعام للعائلة اللبنانية . فعلى هذه المائدة أيضا تظهر خلافاتنا وتعارض آرائنا ،وسيرى تلك المشكلات الحقيقية المستترة خلف المشكلات الظاهرة ،وسيستنتج أن مائدة الطعام عند العائلة اللبنانية مكان للمصارحة وأحيانا للمصالحة .

وعندما نذكر المطبخ اللبناني نتذكر كل اولئك الطباخين المشهورين الذين كنا نراهم على شاشات التلفاز ،يتنافسون على قنواتنا اللبنانية ،اولئك الذين جعلوا من الطبخ فنا" وحرفة تجذب جماهيرا عريضة ،كالشيف رمزي والشيف انطوان والشيف شادي والشيف ريشار ...وصولا الى تيتا لطيفة . ولم تكن مسابقات أكبر صحن حمص وأكبر صحن تبولة وأكبر ساندويش شاورما ...وغيره الا تشجيعا على " سياحة الطعام "وتمجيدا لمائدتنا .

حلت علينا الأزمات المتلاحقة وأرخت الأزمة الاقتصادية بظلها الثقيل على يومياتنا وتأثر مطبخنا ،وبالتالي تأثرت العائلة،وتأثرت عاداتنا وتقاليدنا ،بل تأثرت بيئتنا الاجتماعية ككل ،حتى تكاد الفترة السابقة لحاضرنا هذا أن تكون حقبة تاريخية نستحضرها في أوقات الحنين لرفاهية مضت .فلطالما كان الغذاء بالنسبة لمجتمعنا دلالة على بيئتنا الاجتماعية المترابطة بفعل استهلاك الطعام بحيث أصبحت المائدة تشكل هذا الرابط العاطفي والتاريخي بين أفراد العائلة وبالتالي بين أفراد المجتمع .

وبدأت تظهر نتائج هذه الأزمات وتتراكم ، فالازمة الاقتصادية وغلاء المعيشة والانخفاض الكبيرلقيمة العملة غيرت في نظامنا الغذائي ،فتقلصت أصناف الطعام وبعض الاصناف اختفت عن المائدة لغلاء أسعارها - كحبشة عيد الشكر مثلا كونها تسعر بالدولار -وبالتالي انعكس هذا التغيير على عدد المدعوين من أفراد العائلة وعلى عدد مرات اللقاءات حول المائدة وبالتالي على بيئتنا الاجتماعية - ونحن على أبواب شهر رمضان ،الشهر العائلي بامتياز - والتأثير الكبير ظهر في معادلات بين طبقتي المجتمع بعد ان كنا مجتمع متعدد الطبقات : الطبقة القادرة والطبقة الغير قادرة ،طبقة قادرة على دفع بدل الاشتراك في مولدات الكهرباء وبالتالي الحفاظ على صحة تخزين غذاءها وطبقة غير قادرة ، طبقة قادرة على التعلم في المدارس والجامعات الخاصة وطبقة تناضل في المدارس والجامعة الرسمية ، طبقة تسافر بالطائرات للسياحة والاستجمام وطبقة تخاطر وتهرب من البلد في قوارب الموت ،طبقة قادرة على مد الموائد استعراضا وطبقة عاجزة عن لملمة العائلة على ماىدة الروابط العائلية .

ما نواجهه اليوم ليس ازمة انخفاض بالدخل ،ولا انخفاض في الموارد ،ولا تحدي لخلق لائحة طعام جديدة ، ولا استبدال أصناف بأصناف أخرى ، بقدر ما نواجه تحديا جديا لتغيير روابطنا العائلية وعاداتنا الاجتماعية عبر ...مائدة الطعام .

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

هكذا انتصرت مخابرات المقاومة