اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وأنت تقف أمام ذلك المبنى الباريسي، بالمعمارية الفذة، تتمنى لو كان العالم العربي بالمعمارية السوسيولوجية، والمعمارية الفلسفية، اياها. لقاء في «معهد العالم العربي» مع العراقي شوقي عبد الأمير، الشاعر والديبلوماسي الذي قضى في بيروت سنوات طويلة مندوباً للاونيسكو. يستقبلني بالقول «أنا رجل بقبعتين» Je suis un home avec deux casquettes. الشعر والديبلوماسية.

مستشار في المعهد الذي أنشئ عام 1980، بالتشارك بين فرنسا والبلدان العربية، لالقاء الضوء من مدينة النور على دنيا العرب، ولارساء ديناميات التفاعل بين الثقافتين بما في ذلك المسائل العلمية والتقنية.

الحديث كان بانورامياً. احياناً بعض اللمسات الأنثروبولوجية حول حضارات المنطقة (عبقرية الأهرامات في أرض الكنانة، وعبقرية النصوص في بلاد الرافدين). سؤالي الأول «لماذا هذا الفيض من الفلاسفة والمفكرين في فرنسا، في حين أن المجتمعات العربية (أكثر من نصف مليار بشري) تكاد لا تنتج سوى القلة القليلة من الذين يمكن أن يصلوا الى الضفة الأخرى من القرن؟».

مرارات على مدى ساعتين تقريباً. هكذا «الحوار المر» مع الرجل الذي تمنى علي أن أطلعه على مقالتي قبل نشرها «كيلا تقطع أيدينا، وأرجلنا، أنا وانت ونلقى في النار مثلما جرى للحلاج أو لابن المقفع». لا أفعل ذلك عادة، لكنني ضنين بدم من أحاوره.

اذاً، الحد من المقاربات النارية للدين وللتراث، وان اختلفنا في بعض الآراء حول دور الحضارة العربية في اطلاق «عصر الأنوار» في أوروبا، مع استعادة فلسفة ابن رشد الذي «كوفئ» بـ «وضعه» أمام مسجد مدينة فاس لكي يبصق عليه المصلون وهم يدخلون كما وهم يخرجون.

عبد الأمير لاحظ أن البنية السوسيولوجية، وحتى البنية التاريخية، للمجتمعات هي التي تنتج العبقريات. مكسيم رودنسون الذي عني بالمسار الحضاري، وكذلك المسار الايديولوجي، للعرب، لم يعترف بوجود «مجتمع عربي». قصاصات قبلية، أو مناطقية، أو اثنية، استبقيت بعيداً من التفاعل الأوركسترالي، أو من الرؤية الأوركسترالية، في صناعة الأزمنة...

الشاعر والديبلوماسي العراقي بدا وكأنه ينبش التراث بأظافره. أظافر مثقف يرى الفارق الدراماتيكي بين وضع بني قومه ووضع الأمم الأخرى، ليقترب من المنطقة المحرمة حول من نفذ، في المرحلة الأولى للدعوة، انقلاباً ضد الاسلام، وحول من أعاد احياء الدين الحنيف. هنا لا مجال للكلام ما دمنا نخلط بين المقدس واللامقدس.

أما لماذا لم يلج العرب الزمن التكنولوجي، وهم في منطقة محورية من الكرة الأرضية، كما أن بينهم مئات الآلاف الذين تخرجوا في جامعات عالمية؟ هذا يعود، في نظر عبد الأمير، الى «الأثافي الثلاث» (الحجارة التي توضع عليها القدر فوق النار).

أولاها جلوسنا القرفصاء في الماضي، دون أن تتلقف أذاننا الطرق على الباب، الثانية النزعة الغرائزية للعنف. دائما العصا في وجه الآخر، حتى في وجه الذات، ما دامت أكتافنا مشرعة أمام الخرافات، وأمام الترهات. الثالثة في اقامة العرب داخل اللغة، وداخل الغيب.

هذا لا يعني التشكيك في «الايقاع الالهي» للغة العربية التي يفترض بها تفجير العقل، وتفجير الروح، للوصول الى عبقرية الرؤية بدل أن تكون في خدمة الماورائيات.

في اطار المقارنة، رأى كيف أن المواطن في أوروبا لم يوضع على الرف، ولا يسند ظهره الى الاقتصاد بالبعد الواحد. الانتاج تحول الى فلسفة وجودية. المواطن المشارك أو المساهم Le citoyen contribuable. هنا البداية. انتزاع الانسان العربي من قبضة الأثافي الثلاث، ليكون مواطناً للحياة.

في نظره أن أزمة الانسان العربي هي ازمة العدالة في العالم العربي. العدالة كسلطة عليا، وتفتح أبواب المستقبل، لتقفل أبواب المقبرة. حتى اللحظة لا عدالة، ولا قانون. التوتاليتارية تحولت الى وباء جماعي.

بالرغم من تشاؤمه، وحيث ضياع القلب وضياع العقل، في بلادنا، بمرارة ضاحكة يختم «يوماً ما قد نعثر على قلوبنا وعقولنا!»... 

الأكثر قراءة

عمليّة إسرائيليّة لتفكيك لبنان