اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يشهد لبنان ومنذ نحو أربع سنوات، أزمة نقدية واقتصادية تسببت بسقوط القطاع المالي والمصرفي الذي كان يعد أحد أهم ركائر ودعائم الاقتصاد في البلاد.

ولعل من أبرز وجوه الأزمة هو انهيار القطاع المصرفي الذي فقد دوره بشكل كببر ، وسط عدم قدرة البنوك على رد الودائع الدولارية للمودعين، في ظل شح العملات الصعبة وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية في البلاد الى مستويات قياسية متدنية.

في العام ٢٠٢٣ لم يسجّل أي تطورات ملحوظة في القطاع المصرفي لناحية بدء عملية اصلاحه، او هيكلته أو تحديد مصير ٩٠ مليار دولار من الودائع المحتجزة، ومصير الفجوة المالية المقدرة ب ٧٢ مليار دولار.

لكن لم تخلُ سنة ٢٠٢٣ من بعض التغييرات الطفيفة كاعتماد سعر صرف رسمي جديد في القطاع المصرفي عند ١٥ الف ليرة لتتم على اساسه كافة التعاملات المصرفية، منها مفاعيل التعميم ١٥١ اي السحوبات النقدية الشهرية بالليرة من حسابات اللولار التي اصبحت تسدد على سعر صرف الـ ١٥ الف ليرة بدلا من ٨٠٠٠ ليرة، وفقاً للسقوف المحددة، علماً ان التعويل هو على تحوّل تلك السحوبات الى سعر الصرف المحرر اي سعر السوق الموازية بعد اعتماده واقراره في الموازنة.

كما يسحل في العام ٢٠٢٣ أن مصرف لبنان ألغى من خلال التعميم ٦٧٤، جزءاً من الـ haircut الذي كان مفروضاً على المستفيدين من مفاعيل التعميم ١٥٨، حيث الغى عملية تسديد مبلغ موازٍ ل ٤٠٠ دولار التي يتقاضاها المودعون نقداً، بالليرة على سعر صرف الـ ١٥ الفاً، وأبقى على ال ٤٠٠ دولار نقداً فقط شهرياً، فيما قلّص المبلغ الشهري الى ٣٠٠ دولار للمستفيدين من التعميم ١٥٨ بعد ١ تموز الماضي.

وفي تشرين الثاني، اصدر مصرف لبنان تعميماً وسيطاً رقم ٦٨٢ ينصّ على توسيع شريحة المستفيدين من التعميم ١٥٨ لتشمل اصحاب الحسابات التي تم نقلها من مصرف الى آخر بعد تشرين الاول ٢٠١٩، حيث تتم اعادة فتح حسابات لهم مجدداً في المصرف المحوّلة منه الاموال بقيمة ٥٠ الف دولار بالحد الاقصى وذلك للاستفادة من مفاعيل التعميم ١٥٨ وسحب ٣٠٠ دولار شهرياً. مع الإشارة إلى أن المصارف لم تطبق التعميم ٦٨٢ لغاية اليوم.

اين الاصلاحات ؟

إذاً المشهد لم يتغير كثيراً في العام ٢٠٢٣ ولم يُقر أي قانون من القوانين الإصلاحية التي تخص القطاع المصرفي واهمها قانون الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة القطاع المصرفي فكيف سيكون المشهد في العام٢٠٢٤؟ 

في هذا الإطار تقول مصادر مصرفية للديار :

القطاع المصرفي تأثر كأي قطاع آخر بالأزمة وضغوطها و تقلص حجمه منذ اندلاع الأزمة  واذا نظرنا إلى الميزانية المجمعة للقطاع المصرفي نرى أن الودائع بالليرة اللبنانية تراجعت ٢٧ تريليون ليرة أي بنسبة ٣٥% منذ ٢٠١٩، والودائع بالعملات الأجنبية تراجعت ٣٢مليار دولار أي بنسبة ٢٦%، أما محفظة التسليفات للقطاع الخاص فهبطت ٣٣مليار و ٣٠٠ مليون دولار أي تراجع بنسبة ٨١% للتسليفات بالعملات الأجنبية، وكذلك تراجعت التسليفات بالليرة اللبنانية للقطاع الخاص ١٥ تريليون ليرة أي بنسبة ٥٥،٤% .

و أشارت هذه المصادر إلى أن القطاع المصرفي أغلق أو دمج ٢٩% من فروعه في لبنان، ورأسماله تراجع من ٢١ مليار دولار في أول الأزمة في العام ٢٠١٩ إلى نحو ٥ مليارات دولار حالياً، كما باعت بعض المصارف جزءًا من أصولها في الخارج إن كان في مصر أو الأردن أو سوريا، وكذلك خسرت المصارف عدداً كبيراً من موظفيها الذين كان يبلغ عددهم في أواخر العام ٢٠١٨ حوالى ٢٦ ألف موظف أما اليوم فتراجع عددهم إلى أقل من ١٦ ألف موظف .

أما بالنسبة لخسائر القطاع المصرفي فتقول هذه المصادر: تكبدت المصارف خسائر توازي ٩٠% على سندات اليوروبوند التي تحملها، بسبب قرار الحكومة السابقة بالتعثر في تسديد سندات اليوروبوند وعدم بدء المفاوضات مع حاملي هذه السندات، إضافةً إلى الخسائر على مراكز القطع المفتوحة بالعملات الأجنبية التي بلغت ٨ مليارات دولار تقريباً، فضلاً عن الخسائر التي تكبدتها المصارف من جراء تسديدات القروض التي منحت بالدولار للقطاع الخاص، والتي سددت بالليرة اللبنانية على سعر صرف ١٥٠٠ ليرة لبنانية أو عبر شيكات قيمتها أقل بكثير من القيمة الحقيقية للقرض .

وحول التحديات التي ستواجه المصارف في العام ٢٠٢٤ رأى كبير الاقتصاديين قي بنك بيبلوس نسيب غبريل أن اول تحد هو تحديد مصير الودائع الذي يعتبر العائق الأساسي للقطاع المصرفي منذ اندلاع الأزمة لافتاً أن المودع بحاجة إلى ثلاثة أجوبة حول موضوع الودائع: أولاً ما هو مصير الودائع، ثانياً بأي طريقة سيستردها ثالثاً بأي مهلة زمنية سيتمكن من استخدامها، مشيراً أنه لغاية اليوم و بعد أكثر من أربع سنوات على الأزمة لم تقدم السلطات أي جواب عن هذه الأسئلة الثلاثة، لأنه لا يوجد إجماع على جذور الأزمة و بالتالي لا يوجد إجماع على الخروج من الأزمة.

وتحدث غبريل عن نظرية تقول ان ديون الدولة لمصرف لبنان هي خسائر وليست التزامات معتبراً أن هناك إهمالا للمادة ١١٣ من قانون النقد والتسليف التي تقول ان وزارة المالية هي المسؤولة عن تغطية الخسائر السنوية لمصرف لبنان،" وهذا الأمر يعني أنه ليس هناك إجماع على تحديد مصير الودائع".

ووفق غبريل التحدي الثاني للقطاع المصرفي هو إيجاد مصادر لإيرادات المصارف على الأقل لتغطية مصاريفها التشغيلية، مشيراً ان إيرادات المصارف تتأتى من مصدرين أساسيين الأول هو الفائدة على سيولة المصارف في المصارف المراسلة في الخارج، موضحاً أن المصارف اللبنانية لديها سيولة وضعتها في المصارف المراسلة في الخارج وتتقاضى عليها الفوائد التي تستفيد منها المصارف اللبنانية بعد سياسة رفع الفوائد عالمياً.

أما المصدر الثاني للإيرادات فأشار غبريل إلى الفائدة على سندات الخزينة التي تحملها المصارف والتي انخفضت قيمتها بشكل كبير من جراء تدهور الليرة اللبنانية، وأيضاً الفوائد التي تحصلها من ودائعها لدى مصرف لبنان الذي خفض هذه الفوائد بنسبة ٥٠% لافتاً ان هذه الفوائد دفترية .

ويقول غبريل هذه الإيرادات المنخفضة تغطي ثلاثة أمور، أولاً تغطي المؤونات التي تأخذها المصارف على سندات اليوروبوند، ثانياً مؤونات تأخذها لما تبقى من تسليفات المصارف للقطاع الخاص سيما القروض التي عليها مشاكل و ثالثاً تغطية النفقات التشغيلية.

أما التحدي الثالث والأهم وفق غبريل فهو متى ستعود المصارف إلى عملها الطبيعي  وهو تسليف القطاع الخاص، مشيراً إلى أن الذي شهدناه خلال الأزمة من تسديد للجزء الأكبر من التسليفات المصرفية بالدولار إلى القطاع الخاص بالليرة اللبنانية على سعر صرف١٥٠٠ ليرة أو عبر شيكات قيمتها أقل بكثير من القيمة الحقيقية للقرض أدى إلى خسائر كبيرة في القطاع المصرفي والمودع، معتبراً أن هذا الأمر أفاد المقترض وأضر بالمودع والمصارف، "وقد أطلق على هذه العملية صندوق النقد الدولي إعادة توزيع للثروة من المودع إلى المقترض" .

وإذ اوضح غبريل أن مبدأ إعادة توزيع الثروات يُطبق في الأنظمة الشمولية والبلدان الشيوعية لفت إلى أنه طُبق في لبنان خلال الأزمة، مؤكداً ان المصارف هي أول جهة تريد إعادة التسليف إلى القطاع الخاص وإلى الأفراد والشركات ومؤسسات القطاع الخاص، لكنها من أجل تحقيق ذلك هي بحاجةلى سيولة كافية، وكما هي بحاجة الى حماية هذه السيولة، أي بحاجة إلى إجراءات أو قانون يؤكد على المقترض على أنه عندما يقترض بالدولار الفريش أن يرد القرض بالدولار الفريش وليس بالليرة للبنانية او عبر الشيكات، كيلا نعيد تجربة السنوات الماضية، مؤكداً أن إعادة التسليف للقطاع الخاص هو تحد أساسي للمصارف لأنه يعتبر من ضمن عمل القطاع المصرفي في الدرجة الأولى.

أما التحدي الرابع للمصارف وفق غبريل فهو إعادة هيكلة القطاع المصرفي معتبراً أن التحدي الأكبر هو وجود إرادة سياسية لإقرار مشاريع القوانين التي لها علاقة بهذا الموضوع كمشروع قانون الكابيتال كونترول ومشروع قانون إعادة التوازن للقطاع المالي ومشروع قانون إعادة هيكلة المصارف معتبراً أن مضمون مشروع القانون يضع العبء بشكل كامل على القطاع المصرفي ويضع عوائق أمام إعادة رسملة المصارف  واستمراريتها .

و بالنسبة للتحدي الخامس تحدث غبريل عما تقدمت به المصارف إلى وزارة المالية من خلال مذكرة ربط النزاع من قبل ١١ مصرفاً، "وهم قاموا بهذا الأمر بدل مصرف لبنان الذي يقول كما تقول التقارير التي صدرت عن مؤسسات دولية بطلب من الدولة اللبنانية أي تقرير التدقيق الجنائي لالفاريز اند مارسال (Alvarez &Marsal) وتدقيق الوضعية المالية لمصرف لبنان من قبل شركة اوليفر وايمن (Oliver Wyman) والذين أوضحوا أن هناك التزامات على الدولة لمصرف لبنان بقيمة ١٦ مليار و ٣٠٠ مليون دولار"، لافتاَ إلى أن مذكرة ربط النزاع تطلب تسديد هذه الديون إلى مصرف لبنان كما تُذكر بأن مصرف لبنان عليه أن يطالب بتطبيق المادة ١١٣ من قانون النقد  والتسليف التي تقول انه إذا حقق مصرف لبنان خسائر فوزارة المالية هي المسؤولة عن تغطية هذه الخسائر.

وإذ أشار غبريل إلى أن المصارف ال ١١ التي قدمت ربط النزاع بانتظار رد الدولة اللبنانية لفت إلى أنه إذا لم يأت رد رسمي من الدولة اللبنانية في الخامس من شهر شباط المقبل يصبح لهذه المصارف الحق في أن تتخذ خطوات أخرى مثل اللجوء إلى مجلس الشورى .

ويشدد غبريل في الختام على ضرورة استعادة الثقة ليس فقط بالقطاع المصرفي بل بالنظام ككل وبالمؤسسات الدستورية، لافتاً إلى أن استعادة الثقة بالقطاع المصرفي لا تأتي بالإجراءات التقنية ففط وإن كانت ضرورية لكنها ليست كافية ،"فاستعادة الثقة تأتي من خلال الحوكمة والإدارة الرشيدة أي من خلال تطبيق الدستور والالتزام بالمهل الدستورية وفصل السلطات واحترام استقلالية القضاء ودعم قدراته ومكافحة التهرب الضريبي  والجمركي ومحاربة التهريب عبر الحدود بالاتجاهين وتطبيق القوانين وتقليص حجم الاقتصاد الموازي" .


الأكثر قراءة

أسبوع مفصلي دموي قبل هدنة رمضان في غزة... بايدن: أحضروا لي صفقة! هوكشتاين في لبنان بمحاولة ديبلوماسيّة أخيرة قبل احتمال الحرب الموسّعة؟