اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بدأت العدو الاسرائيلي بسحب ألويته من شمال قطاع غزّة، رغم استمرار القصف الصاروخي على المدنيين، في خطوة تدلّ على تراجعه العسكري في الميدان. وقد قام بمثل هذه الخطوة قبل صدور أي قرارعن محكمة العدل الدولية في لاهاي، التي تقدّمت جنوب أفريقيا بدعوى إدانتها بالإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني وارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، أو أي تدبير احترازي يتعلّق بوقف الحرب في غزّة. فما هو المنتظر من هذه الدعوى، وهل على "إسرائيل" أن تخشى فعلاً منها، فتُعيد حساباتها في غزّة ، كما في جنوب لبنان؟!!

يقول مصدر قانوني مطّلع انّ "الإسرائيليين" لا يمكنهم الاستمرار في حربهم على غزّة بالوتيرة نفسها، رغم كلّ ما يحصل في العالم من تظاهرات ومناداة بضرورة تحرير فلسطين ووقف الحرب في غزّة، ورغم محاكمتهم في سابقة تاريخية من نوعها في محكمة لاهاي بالإبادة الجماعية للفلسطينيين في قطاع غزّة. ولهذا بدأنا نسمع عن سحب "القوّات الإسرائيلية" لألويتها النخبوية من شمال القطاع، بحجّة أنّ المعارك قد انتهت هناك، لتعود وتستهدف بعض مناطقه. وفي الواقع، لقد مُنيت "إسرائيل" بخسائر كبيرة في عمليتها البريّة في قطاع غزّة، لهذا سحبت بعض ألويتها، الى جانب عدم تحقيقها أي إنجاز يُذكر في الميدان.

ولكن رغم ذلك يستمرّ العدوان الإسرائيلي على وسط وجنوبي القطاع، على ما أضاف المصدر، كما على جنوب لبنان من خلال ما ترتكبه "إسرائيل" من مجازر ضد المدنيين. كما أطلقت القذائف على ميناء الصيّادين لدى علمها بلجوء الفلطسينيين اليه لاصطياد الأسماك لسدّ جوع عائلاتهم، التي باتت تعاني من فقدان الطعام والدواء والتدفئة وكلّ وسائل العيش الأساسية. الأمر الذي يؤكّد استهدافها لأي عنصر من عناصر الحياة والعيش في القطاع، بعد تدميرها البنى التحتية والمدارس والمستشفيات فيه، بهدف تهجير من تبقّى من الفلسطينيين من غزّة.

وفي ما يتعلّق بخشية "إسرائيل"اليوم من ادعاء جنوب إفريقيا عليها في محكمة العدل الدولية بهدف إستصدار تدبير مؤقّت ما يوقف الحرب الوحشية في غزّة، كما معاناة الشعب الفلسطيني، رأى المصدر القانوني بداية أنّه من الجيد أن جنوب إفريقيا هي التي تقدّمت بهذه الدعوى، وليس أي دولة عربية لكي تخرج القضية الفلسطينية من إطارها الإقليمي. وقد اعتبرت في الدعوى التي قدّمتها ضدّ "إسرائيل" بأنّها انتهكت "إتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، والتي هي من أولى الإتفاقيات الدولية في هذا الإطار، وأول سقف قانوني لمنع الإبادة الجماعية الذي اعتمدته الأمم المتحدة في العام 1948. وجاءت هذه المعاهدة كردّ على الأعمال التي ارتُكبت خلال الحرب العالمية الثانية، ومنها الإبادة بحق اليهود من قبل النازيين. والمفارقة أنّ أول قضية تُرفع ضدّ "إسرائيل" هي بموجب إتفاقية منع الإبادة التي وُضعت يومئذٍ تحت شعار "لن تحدث الإبادة مرة ثانية".

وأكّد المصدر نفسه أنّه في حال ثبت أنّ هناك إبادة في غزّة، فلن تحاسب "إسرائيل" لأنّها لم تستطع منع الإبادة، إنّما لأنّها لم تمنع حصولها ولم تحاول منعها. وما تخشاه حالياً ليس اعتبارها أنّها ارتكبت جريمة الإبادة، كون مثل هذا الأمر يتطلّب وقتاً طويلاً، إنّما من الطلب الذي أرفقته جنوب أفريقيا في الدعوى، ويتعلّق بالتدابير المؤقّتة التي تدعو الى وقف الأعمال العدائية التي تقع ضمن قطاع غزّة، الأمر الذي لا تريده "إسرائيل" ولا تقبل أن يفرضه عليها أحد.

ويُنتظر اليوم من محكمة لاهاي في غضون أسابيع، على ما أوضح المصدر، ليس اعتبار "إسرائيل" مخالِفة لاتفاقية منع الإبادة والمعاقبة عليها، لأن هذا الأمر يحتاج الى إثبات النيّة المتعمّدة من إحداث هذه الجريمة وارتكابها، وهذا الأمر يتطلّب سنوات. لكنّ المطلوب منها اتخاذ "تدابير مؤقتة"، بأن تُقرّر بأنّ الأفعال التي تنصّ عليها الاتفاقية حاصلة من قبل "إسرائيل" في قطاع غزة. وهنا لا يُشترط أن تكون كلّ الأفعال متحقّقة، بل أحدها مثل التجويع أو الحصار المطبق على غزّة، سيما أنّ ليس من هدف منه سوى الإبادة. يكفي إثبات فعل واحد لكي تقرر المحكمة أنّه قد يرقى الى فعل ارتكاب جرم الإبادة.

وفي الوقت نفسه، لأنّه لا يُمكن للشعب الذي يُباد من قبل "إسرائيل" انتظار سنوات لصدور قرار المحكمة، على ما تابع المصدر عينه، فقد تقدّمت جنوب أفريقيا بطلب اتخاذ "التدابير المؤقّتة" هذه، بهدف استعجال المحكمة لوقف هذا الفعل أو الأفعال المرتكبة بحق الفلسطينيين في غزّة. ومتى تبيّن لاحقاً أنّ ما يجري هو حقاً "فعل إبادة"، فثمّة حقوق معرّضة للمساس بها، وخطر جسيم، وأضرار لا يُمكن إصلاحها. من هنا، تأتي الحاجة الى الإستعجال والى اتخاذ التدابير المؤقتة لوقف هذه الأفعال فوراً، سيما وأنّه من شأن هذه التدابير حسم أمر حصول الإبادة، والتي لا بدّ من إثباتها في وقت لاحق.

ولأنّ جميع الدول، أكانت موقّعة على "اتفاقية منع الإبادة" أو غير موقّعة، وفق المصدر، ملتزمة بأمرين هما: منع الإبادة والمعاقبة عليها، فإذا صدر التدبير المؤقّت الذي يحسم أمر حصول الإبادة، على أن يُصار لاحقاً الى إثباته، فإنّنا سنرى عدداً من دول العالم سيتدخّل الى جانب الدولة المدعية أي جنوب أفريقيا، لرفع تهمة التقاعس أو التواطؤ أو التحريض على الإبادة عنها. وقد رأينا بعضها منذ الآن حيث بدأ بتغيير أدائه ومفرداته ولهجته منذ بدء المحاكمة.

ويختم المصدر بأنّ كلّ هذا تحسب له "إسرائيل" الحساب، وإن بدت غير مكترثة للمحكمة وحاولت رفض ما يُنسب اليها من تهمة ارتكاب "الإبادة الجماعية بحقّ الشعب الفلسطيني"، متذرّعة بأنّها هي التي تتعرّض للإبادة، من دون أن تقدّم أي أدلّة وإثباتات قانونية. ولهذا تسعى الى تغيير ما يحصل على الأرض، وأولى الخطوات بدء سحب ألويتها العسكرية من الميدان. على أنّنا سنرى في الايام اللاحقة انخفاضاً في مستوى الإعتداءات في غزّة، كما في جنوب لبنان.


الأكثر قراءة

حزب الله يهز «عرش» التفوّق الجويّ «الإسرائيلي»... ويتلاعب بـ«مقلاع داود» ساعات من «حبس الأنفاس» بعد توسّع الجبهة... وواشنطن على خط التهدئة «إسرائيل» تضغط لفرض وقف النار... والورقة الفرنسيّة لم تجد من «يشتريها»!