اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


رغم الخضّات الأمنية والأجواء السياسيّة المتشنّجة والتي تقف على صفيح ساخن من السجالات والتعطيلات، لا يزال سعر صرف الدولار مستقرا منذ فترة، إلّا أنّ ارتفاعه مؤخرا ولو بشكل طفيف، أعاد إلى المواطنين هاجس عودة جنون العملة الخضراء كما حصل في فترات سابقة.

والمستجد الجديد المتعلّق بأحوال الدولار في لبنان اليوم، هو الإتجاه الرسمي نحو توحيد سعر صرفه أي اعتماد سعر صرف موحّد لليرة اللبنانية، بخاصة أنّ أغلب التعاملات اليوم من رسمية ( عبر قرارات وزارية منفردة)، وغير رسمية تجري وفق سعر صرف السوق السوداء، فالدولار الرسمي لا يزال 15 ألف ليرة لكل دولار، فيما التعاملات المالية والنقدية والسوقية في معظم قطاعات البلاد، تتّم وفق سعر السوق السوداء المتأرجح بين 89 و90 ألف ليرة لكل دولار.

شبه الإستقرار هذا في سعر صرف العملة الخضراء، يعود برأي الخبير الإقتصادي الدكتور عماد عكّوش، إلى عدّة أسباب، الأوّل والأساسي هو رفع سعر صرف الدولار المحدّد باستيفاء الرسوم والضرائب، من خلال رفع سعر صرف الدولار الجمركي ما أدّى إلى امتصاص الكتلة النقدية من السوق، ووصول ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان لحدود 198 تريليون ليرة، وانخفاض كتلة النقد الموجودة في الأسواق إلى حدود 57 تريليون ليرة بعد تجاوزها 80 تريليون ليرة خلال شهر تموز 2023 ، فيما السبب الثاني هو وقف التدخل السلبي لمصرف لبنان الذي كان يشتري الدولار على سعر مرتفع جدا ويبيعه على منصة "صيرفة" بأسعار متدنية، ما كان يؤدي إلى زيادة في الكتلة النقدية وإلى خسائر في مصرف لبنان، وحدوث تخبّط في سعر الصرف، ثالثا: إيقاف مصرف لبنان السلف للحكومة ومؤسسات الدولة ما ساهم في تخفيض الكتلة النقدية في السوق، وأيضا إيقاف الدعم لمعظم السلع والخدمات، والذي كان يستنزف الإحتياطي ويرمي كتلة نقدية ضخمة في السوق، أمّا السبب الرابع فهو أنّ كتلة الرواتب أصبحت معقولة قياسا إلى الموازنة بعد أن كانت سابقا تتجاوز 40% منها.

بين الرواتب العامة وسعر الصرف: كرّ وفرّ

هذا الإستقرار المرحلي، حدا ببعض المواطنين إلى التفكير بالإدّخار بالعملة الوطنية خوفا من تدنّي سعر صرف الدولار أكثر، بخاصة أنّ الدفع بالليرة لم يعد يزعج التجّار الذين عمد بعضهم إلى إزالة التسعير بالدولار، وهذا ما لم ينصح به عكّوش أحدا بذلك، خصوصا في ظلّ المطالبات الدائمة بزيادة الرواتب من قبل القطاع العام، موضحا بأنّ هناك اليوم نوعا من التوازن والتناسب بين حجم الرواتب والموازنة، كاشفا أنّ هذا الوضع لن يستمر طويلا، إذ سيكون هناك حتما مطالبات من قبل القطاع العام بمزيد من تصحيح الأجور، ما سيوقعنا بنفس الدوامة السابقة، فحين تمّ رفع الأجور بشكل غير مدروس ومضبوط، ولم يتمّ رفع الإيرادات وضبط النفقات وعمليات التهريب، كانت النتيجة تضخّم الكتلة النقدية في السوق وارتفاع سعر صرف الدولار، واليوم إذا أردنا أن نصحّح الأجور من دون أيّ عملية ضبط في الجمارك والضرائب والأسواق والنفقات، ولم تترافق هذه العملية مع التسويات والمعالجات المذكورة وتتناسب مع حركة النقد بالسوق والكتلة النقدية ونفقات الموازنة، سيزيد بالتالي التضخّم  وسعر صرف الدولار مجددا، مرجّحا أن نقع في نفس الدوامة بعد فترة نظرا لعجز السلطة السياسية عن القيام بهذه العملية بالشكل المطلوب.

في المقابل، لفت إلى توقعات بارتفاع الإيرادات اليوم أكثر، الأمر الذي يضمن إستمرار عملية إستقرار سعر صرف الدولار لفترة قد تمتد لنهاية العام الحالي، بخاصة إذا استمرت الرواتب على حالها كما حدّدت في الموزانة، وكذلك الحوافز، وكذلك إعادة فتح الإدارات العامة بخاصة الدوائر العقارية ومصالح تسجيل السيارات أبوابها ما سيساهم في زيادة الإيردات، على أن لا تطرأ أحداث أمنية إضافية على ما يحصل اليوم عند الحدود الجنوبية وتتطور الأمور وتغلق المرافئ...إلخ،  فهذا سيتسبب بعجز في الموازنة مجددا، أمّا إذا تعالجت الأمور وحصلت تسوية في المنطقة لحدود معينة، فيمكن أن نحافظ على استقرار سعر صرف الدولار لآخر السنة.

توحيد سعر الصرف: ما له وما عليه

وفي المتداول اليوم، يتّجه مصرف لبنان إلى توحيد سعر الصرف في العام الحالي، ما يثير التساؤلات حول أسباب اللجوء إلى هذه الخطوة الآن، وما إيجابياتها على مستوى الإقتصاد عموما، وعلى مستوى الرواتب والأسعار والقدرة الشرائية وأموال المودعين خصوصا، وهل من أضرار أو متضرّرين من هذه العملية؟

بداية، شدّد عكّوش بأنّ سعر الصرف يفترض أن يكون واحدا لكلّ المعاملات الرسمية وغير الرسمية، من قبل مصرف لبنان والدولة اللبنانية على السواء، وهذا المقصود بتوحيد سعر الصرف، أي أن يكون سعرا واحدا معتمدا لكلّ المعاملات، وكذلك لدفع الودائع والرسوم والرواتب، وبناء أيضًا على طلب صندوق النقد الدولي، لأنّ ذلك سيؤدي إلى شفافية في الموازنة، لأنّه في المقابل، بوجود عدّة أسعار للصرف، لن يكون هناك أسعار صحيحة في الموازنة، ولن يكون هناك عدالة بين المواطنين، مثلا دفع الودائع على سعر 15000 ليرة، بينما سيحقّق توحيد سعر الصرف نوعا من العدالة لهم، أمّا الأطراف المتضرّرة من هذه العملية ، فهم أصحاب القروض بالدولار، لأنّهم سيضطرون لدفعها على السعر الرسمي أو بـ"الدولار الفريش"، سواء كانوا شركات أم أفرادا، نافيا أيّ علاقة بين توحيد سعر الصرف والتأثير على القدرة الشرائية للمواطنين، كما حصل سابقا حين تمّ رفع سعر صرف الدولار الجمركي.

لماذا ترتفع الأسعار اليوم؟

مما لا شكّ فيه، ساهم إستقرار سعر صرف الدولار باستقرار أسعار السلع والخدمات في الفترة الأخيرة، باستثناء من يتلاعب بسعرها من التجار ، لكن مؤخرا شهد مؤشر الأسعار الرسمي إرتفاعا، لا يتلاءم مع الإرتفاع الطفيف للدولار إن اعتبرنا أنّه السبب، فماذا يحصل؟

أشار عكّوش إلى أنّ التضخّم  في سنة 2023 بلغ حوالي 221% عن كامل العام، بحسب الإحصاء المركزي، وهو معدّل إرتفاع الأسعار على سلّة السلع الأساسية، موضحا أنّ لا علاقة لارتفاع سعر صرف الدولار بارتفاع الأسعار اليوم، إنّما بفعل ما يحصل في المنطقة خاصة في البحر الأحمر، والذي أدّى إلى رفع التأمين على السفن والشحنات، وبالتالي إلى رفع تكلفة الشحن وتأخير وصول الشحنات إلى المرافىء، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسب محددة، والتي يمكن أن ترتفع أكثر إذا استمرت الأزمة.

خلاصة القول... بدأ سعر صرف الدولار يهتّز على أنّه لن يزلزل حياتنا بحسب الإقتصاديين أقلّه حتّى نهاية العام الحالي، على أنّ توحيد سعره إن تمّ فإنّه يمكن أن يؤسس لبداية إصلاح نقدي ومالي واقتصادي شامل لاحقا، لكن في المقابل فإنّ اهتزاز الأسعار ارتفاعا أمر مستغرب، وإن أردنا ربطها بمجريات الإقليم عموما والبحري وتحديدا البحر الأحمر خصوصا، فإنّ البضائع المحتكرة في لبنان تكاد تكفي مواطنيه لسنوات إلى الأمام، ولا نعتقد أنّ جميع السلع تستورد اليوم وتتأثر بحركة الملاحة العالمية فترتفع أسعارها!


الأكثر قراءة

حزب الله يهز «عرش» التفوّق الجويّ «الإسرائيلي»... ويتلاعب بـ«مقلاع داود» ساعات من «حبس الأنفاس» بعد توسّع الجبهة... وواشنطن على خط التهدئة «إسرائيل» تضغط لفرض وقف النار... والورقة الفرنسيّة لم تجد من «يشتريها»!