اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الجمال يكمن في الداخل هي عبارة قديمة جديدة، نستعملها مؤخرا كثيرا لما قد وصلنا اليه في هذه الأيام، فما نشهده من امور براقة واعمال افتراضية خادعة "وبروفايلات" اصطناعية وبوستات طنانة وصور مركبة مدهشة واغراءات بصرية وسمعية، يدفعنا الى النظر للداخل اكثر من اي وقت مضى ويجبرنا على اعادة التفكير في جوهر الامور ليس خارجها.

الجوهر هو من لدن الآب السماوي، هو كنز وضعه الرب عند تكوين كل شخص منا بل هو بصمته فينا. اراد الرب أن يخلقنا مختلفين، كل منا له بصمته الربانية اي جوهره الذي اراداه الله له، فالنفس والروح والجسد يشكلون جوهر كل إنسان فبقدر تفاعل هذه الثلاثية مع بعضها بعضا نقدر ان نميز جيدا ما هو في الداخل مما هو في الخارج ويجعلنا نقدر نعم الرب في كل مخلوق نصادفه بل وأكثر يمكننا ان نرى جوهره مليا.

الشكل الخارجي للإنسان او للأشياء هو أول ما يلفت انتباهنا ويجبرنا على استنتاجات سريعة حول شخصية هذا الانسان او كينونة هذه الأشياء. قد نحكم على الأشخاص بناء على ظاهرهم الخارجي وهذا مرده الى التصور الذي لدى كل واحد منا، فتاريخنا ونمط عيشنا ومقاربتنا للأمور تدفعنا الى هذا الامر الذي قد يكون خاطئا في معظم الاحيان.  لكن ما يجهله الكثيرون هو أن الجمال الحقيقي يتركز في الداخل، ليس لأن الخارج ليس جميلا بل لأن الروح الكامنة في الداخل هي القوة الخفية والدافعة على الحياة وتجددها في كل لحظة. اما بخصوص النفس التي اراها شخصيا محركا للعقل هناك الكثير من القرارات الإرادية واللاإرادية التي تنتج من سلوكنا والتي تظهر للعيان وتربكنا في بعض الأحيان.

التركيز على جمال الروح لا يلغي الجمال الخارجي. فالنظر الى الداخل يجعلنا نرى اوضح حقيقة الخارج ونقدره، فالمنطق الناتج من السلوكيات الإرادية والجسد الذي يجسد هذه السلوكيات قادران على جعلنا اكثر توازنا في احكامنا المسبقة بل اكثر انصافا لأي انسان نقابله واكثر دراية باي شيء نستعمله واكثر تكيفا مع اي ظرف نعيشه.

عندما نتحدث عن الجمال الداخلي، فإننا نشير إلى الصفات والقيم الأساسية التي يمكن أن تجعل الإنسان جذابا بصفة عامة. فالثقة بالنفس تعكس الجمال الداخلي، فهي تظهر من خلال العزيمة والقدرة على تحقيق الأهداف والنجاح في الحياة. كما أن اللطف والرحمة والاحترام للآخرين يعكسون قوة الشخصية والأخلاق الحميدة التي تزيد من جاذبية هذا الإنسان. فالإنسان الجميل من الداخل يتمتع بقدرة على إشاعة السعادة والإيجابية في حياته وحياة الآخرين من حوله. فعندما يكون الإنسان لطيفا ومتسامحا ومتفهما ومتعاونا مع الآخرين، ينعكس ذلك على سمعته وشخصيته، ويجذب الآخرين إليه بصورة طبيعية. بالتالي، يجذب هذا الشخص إليه الأصدقاء والمحبين والمعجبين الذين يرغبون في الاقتداء به ومشاركة حياته.

لا يمكن لأحد أن ينكر أن الجمال الخارجي هو من العوامل الجاذبة للانتباه وفتح الأبواب، ولكنه قد يباعد الآخرين بسرعة أيضا إذا تداركوا الحقيقة الواقعية للجمال الزائف وفي الأخص إذا خلا من تفاعل الروح والنفس. على العكس، الجمال الداخلي يتميز بالقدرة على توحيد الأشخاص وخلق روابط قوية وعميقة بينهم. فجمال الجوهر يعكس الأنا الحقيقية للشخص ويمكن للآخرين الاحتكام إليه عند تقييمه. إذ ان تفاعل الروح والنفس مع الجسد يجعل هذا الشخص اكثر توازنا في الحياة.

لطالما أثير الجدل حول مفهوم الجمال. هل هو قابل للتعريف من خلال المظاهر الخارجية فقط، أم يوجد جمال أعمق ينطوي على أفكار ومشاعر وروح؟ في حين أن الجمال الخارجي قد يكون مؤقتا ويتأثر بتغيرات الأزمنة والموضة، يبقى الجمال الداخلي ثابتا ومستداما لأنه مبني على اتحاد قوي بين الجسد والروح والنفس.


الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»