اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يعود رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري الى لبنان، لإحياء الذكرى الـ 19 لاغتيال والده الشهيد الشيخ رفيق الحريري في 14 شباط الجاري.. غير أنّ عودته تكتسي هذه المرّة طابعاً خاصّاً، نظراً للتحضيرات الحاصلة على الأرض من قبل "تيّار المستقبل" لمواكبتها، ولأنّها تتزامن للمرة الأولى منذ تعليقه عمله السياسي في 24 كانون الثاني 2022، مع الشغور الرئاسي ووجود حكومة تصريف للأعمال. فضلاً عن افتقاد الساحة السياسية الزعيم السني، رغم وجود قيادات سنيّة عديدة خاضت الإنتخابات النيابية الأخيرة،. فهل يعود الحريري ويقضي بضعة أيّام، يلتقي خلالها نوّاب كتلته السابقين وبعض السياسيين ويرجع أدراجه؟ أم يتخذ قرار البقاء والعودة مجدّداً الى عمله السياسي، في ظلّ إصرار مناصريه وبعض أخصامه السياسيين على عودته، لا سيما مع تبدّل الظروف والمعطيات المحلية والإقليمية؟!

مصادر مقرّبة من "تيّار المستقبل" أكّدت أنّ قرار العودة الى العمل السياسي هو ملك سعد الحريري نفسه، الذي خرج من الحياة السياسية لاعتبارات عديدة. وهذه الأخيرة لم تتغيّر مع الأسف، رغم تبدّل بعض الأمور على الساحة السياسية الداخلية والإقليمية وحتى الدولية. ولكن ما هو ظاهر اليوم للعيان، لا سيما بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة التي لم يخضها الحريري ولا تيّاره، أنّ الزعامة السنيّة التي تبحث عنها الطائفة السنيّة في البلد، كما في الخارج، لم تذهب الى أي طرف سنّي آخر، رغم كثرة عدد القوى السياسية على الساحة اللبنانية.

فغياب الحريري عن الانتخابات النيابية الأخيرة، على ما أضافت المصادر، قد أحدث فجوة إذ لم تتشكّل كتلة سنية على الصعيد الوطني تكون فاعلة، على ما كانت عليه كتلة المستقبل النيابية، في موازاة الكتل الكبرى مثل كتلة "التيّار الوطني الحرّ" أو "القوّات اللبنانية"، أو "الثنائي

الشيعي"، و"التقدّمي الإشتراكي". هذا الواقع الذي ظهر على الساحة مع مرور الوقت، قد أبرز الحاجة الى إعادة تشكيل التوازن الوطني. وقد أثبتت التجربة والانتخابات الأخيرة أنّ هذه الفجوة لا بدّ من إيجاد حلّ لها، وعودة الحريري الى نشاطه في "بيت الوسط" من شأنه سدّها.

هذا الأمر دفع أنصار الحريري والشارع السنّي، على ما أشارت المصادر نفسها، الى التحرّك من خلال إطلاق شعارات مؤثّرة مثل "تعوا ننزل ليرجع"، و "نازلين نقول للحريري ما رح نخلّيك تفلّ"، في رسالة واضحة ومعلنة منهم الى زعيمهم السنّي والوطني، الى أنّ عودته باتت اليوم حاجة وضرورة أكثر من الوقت السابق، وأنّهم باتوا يرفضون غيابه عن الساحة السياسية، آملين بأنّ تلقى محاولتهم هذه صدى إيجابيا في نفس الحريري، فيتراجع عن موقفه بتعليق عمله السياسي.

واللافت أنّه ليس أنصار الحريري فقط هم الذين يُصرّون على عودته الى لبنان والبقاء فيه ومزاولة عمله السياسي كما في السابق، على ما تابعت المصادر، فقد جاء التشجيع على لسان رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي قال متوجّهاً الى الحريري في ظلّ غيابه، ما حرفيته: "أهلاً وسهلاً بعودتك الى العمل السياسي عندما تقرّر. لقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أنّ سعد الحريري هو الناجح الأكبر، على الرغم من اعتكافه، فمن النهر الكبير الى الناقورة حصد 24 % من الطائفة السنيّة من غير أن يُشارك في الانتخابات".

كذلك فإنّ النائب ألان عون من تكتّل "لبنان القوي"، قد غمز في مجلس النوّاب من قناة هذه العودة عندما قال إن "الخروج من الوضع المقفل الذي نعيشه يتطلب ذهنية التسويات"،  متابعاً: "هنا استذكر الرئيس سعد الحريري الذي نفتقده كثيراً في هذه الايام، ويجب ان نعترف بشجاعته وجرأته على فتح الثغرات وانتاج تسويات باللحظات الحاسمة كما قدم مرتين عام 2016"، وذيّلها بعبارة "اشتقنالك". علماً بأنّ التسوية مع الحريري التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً لم تُستكمل، حتى انّ العلاقة بينه وبين "التيّار الوطني الحرّ" وصلت مجدّداً الى الخصومة والى عبارة "وان واي تيكيت". الأمر الذي يشير الى أنّ ثمّة قبولا داخليا بهذه العودة، في ظلّ العجز الذي تعانيه الطائفة السنية عن فرز زعامة سنيّة جديدة.

ولكن ماذا عن موقف السعودية التي تقول انّها لا تضع "فيتو" على أحد، وانّها لم تكن وراء موقف الحريري بتعليق عمله السياسي؟ وهل اقتنعت خلال السنتين الماضيتين من "الفراغ السنّي"، بأنّها لم تتمكّن من خلق زعيم سنّي جديد يُمثّلها في لبنان؟ تُجيب المصادر نفسها بأنّ ذكرى 14 شباط سوف تتمّ قراءتها من الداخل والخارج. وإذا كان هناك تسوية إقليمية ودولية على ملفات المنطقة ومن ضمنها لبنان، فمن الممكن أن تكون عودة الحريري عنصراً مهمّاً فيها، في ما يتعلّق بانتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثمّ تشكيل حكومة جديدة فاعلة وإنقاذية وإصلاحية.

وما يُعطي لعودته الى بيروت هذه المرّة زخماً أكبر من السنتين الماضيتين، على ما أوضحت المصادر عينها، هو تجربة العمل السياسي في البلد، والتي بدت تفتقر الى رجالات تسوية من طراز الحريري. في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة اليوم زمن التسويات، وتحتاج الى من يواكبها من السياسيين المعتدلين والوطنيين في لبنان. والتجربة الحريرية موجودة في وجدان الناس في كلّ لبنان، على ما أظهرت نتائج الإنتخابات الأخيرة، رغم عدم خوضها من قبل "تيّار المستقبل"، وليس في بيروت وصيدا فقط. فهل يغيّر الحريري موقفه ويعلن فكّ اعتكافه عن العمل السياسي في ذكرى 14 شباط؟ أم أنّ عدم تبدّل أي شيء في السياسة، لا سيما المعطيات التي بنى عليها موقفه، سيجعله يتصلّب بقراره؟!

الأكثر قراءة

قراءة في أعصاب حزب الله