اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

انهى رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري اسبوعه الاجتماعي والشعبي والسياسي في لبنان، دون ان يعلن قراره بعودته عن تعليق العمل السياسي الذي اتخذه منذ عامين، وكانت من نتائجه عدم المشاركة في الانتخابات النيابية عام 2022.

وكما كان متوقعا، فان الحريري سيعود الى مقر اقامته في ابوظبي متابعا اعماله، وتاركا توقيت قرار عودته الى الظروف التي املت عليه الانسحاب من العمل السياسي، دون ان يتخلى عن العمل التنظيمي في "تيار المستقبل"، الذي استمرت مؤسساته في النشاط ولكن ليس كما في زمن سابق، مع تراجع التمويل او شحه واقفال العديد منها، سواء في الصحة والاعلام والتربية الخ...

وسبق للحريري ان غاب قسريا عن السياسة بين عامي 2011 و2016 ولم يعد الى بيروت، الا بعد ان نضجت التسوية الرئاسية وحصل اتفاق بين "تيار المستقبل" و"التيار الوطني الحر" افضى الى انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وعودة الحريري الى رئاسة الحكومة، بتأييد فرنسي سعودي- ايراني.

والاسبوع الذي قضاه الحريري في "بيت الوسط" لم يشهد على حراك سياسي فاعل، وهذا يشير الى انه من المبكر العودة عن قراره تعليق العمل السياسي، اذ لم تسبقه مقدمات تؤشر الى انه سيعود لممارسة النشاط السياسي، لان عودته مرتبطة بظروف عربية واقليمية ودولية، هي نفسها التي ولدت منها "الحريرية السياسية" منذ اكثر من اربعين عاما وبدأت مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ويتحدث مقربون من الحريري على ان وجوده السياسي بات ضرورة، بعد ان لمس اكثر من طرف لبناني وخارجي ان الطائفة السنية تعيش في "تشتت" وليس في "تعددية سياسية"، لانها غير موحدة على مرجعية كما اعتادت في زمن رفيق الحريري ونجله سعد، وقد ساعدها في ان تفرض "احادية" سياسية على الساحة السنية، هي مرحلة بعد اتفاق الطائف والتوافق السعودي – السوري، الذي امن سلوك الحريري الاب الى رئاسة الحكومة والبقاء فيها سنوات، والسيطرة على كل الوظائف التي هي من حصة السنة، وهذا ما اعطى "الحريرية السياسية" الموقع المتقدم في السلطة، ومَن تمكن من خارج "الحريرية" ان يصل، فكان "ودائع سورية" داخلها.

وما كان في زمن الحريري الاب لم يحصل مع وريثه السياسي سعد، لان الظروف التي اتى بها تختلف عن تلك التي جاءت بوالده، الذي استطاع ان ينسج علاقات جيدة مع اركان في النظام السوري ومع نافذين فيه سهلوا له ما يريده في السلطة، الا ان بدأ الافتراق مع انتخاب الرئيس اميل لحود رئيسا للجمهورية حيث كان خيار الرئيس حافظ الاسد، فبدأت اوضاع رفيق الحريري تهتز، ووصل الرئيس سليم الحص الى رئاسة الحكومة بدلا منه وبسياسة مختلفة ماليا واقتصاديا ونهجا سياسيا.

"فالحريرية السياسية" نمت مع التوافق السعودي – السوري، واعطت رفيق الحريري هذا الزخم في لبنان منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد تولى سعد رئاسة الحكومة عام 2009 بعد المصالحة السعودية – السورية بزيارة الملك عبدالله الى دمشق، وانتقاله مع الرئيس بشار الاسد الى القصر الجمهوري في بعبدا، وفيه تمت مصالحة لبنانية – سورية اعقبت زيارة كل من سعد الحريري ووليد جنبلاط الى دمشق والاجتماع مع الرئيس الاسد.

من هنا، فان الحريري يحاول ان يستفيد من تطورات تحصل في الاقليم لجهة عودة سوريا الى جامعة الدول العربية، واستعادة العلاقات بينها وبين السعودية والامارات المتحدة ، اضافة الى الاتفاق السعودي – الايراني، حيث تشكل هذه التطورات ممرا لسعد الحريري للعودة الى العمل السياسي الذي يمر بجمود في لبنان، لا سيما في الملف الرئاسي بانتظار ما ستخرج به "اللجنة الخماسية" والتسوية التي سيرسو عليها.

فالتوقيت الذي تحدث عنه الحريري مرتبط بما سيجري من تطورات، مع استمرار الحرب الاسرائيلية التدميرية على غزة وتداعياتها في لبنان، والمشتعل عسكريا في الجنوب كما على دول اخرى في العراق وسوريا واليمن، فهو لم يستعجل الاعلان عن قراره، وتركه "للوقت الحلو"، الذي يقول المقربون منه انه متفائل بأنه سيأتي.

ان الدور الذي سيطلع به "تيار المستقبل" هو مواجهة التطرف الذي يخشى ان يتمدد في الساحة السنية، وهذا لم ينتبه له سعد الحريري عندما اندلعت الاحداث في سوريا، فاعتبر هو وحلفاء له كوليد جنبلاط وسمير جعجع وغيرهما أن الفرصة اتت للانتهاء من حكم بشار الاسد، الذي كان يواجه جماعات ارهابية، وفق ما تقول مصادر حليفة لسوريا، التي وضعت كل خصومها في الزاوية وتركتهم بعد سنوات من الحرب الكونية عليها، الى ان اتوا الى دمشق معتذرين مما فعلوه فيها.

وخلال وجود الحريري في لبنان، لوحظ بأن من حضروا الى "بيت الوسط" من سياسيين، غاب منهم رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" السابق وليد جنبلاط، لكنه حضر مع نجله تيمور برفقة وفد من "الاشتراكي" الى ضريح الحريري ، حيث ربطت مصادر مطلعة المقاطعة الى اسباب ليست مرتبطة بالسياسة، بل بما حصل في وزارة التربية مع امل شعبان، حيث تبادل "تيار المستقبل" و "الاشتراكي" الاتهامات من خلال بيانات صحافية.

ولا تخفي اوساط مقربة من الحريري انه يقوم بمراجعة سياسية لكل المرحلة، لا سيما في علاقاته مع حلفائه الذين كانوا معه في 14 اذار ، وان اطرافا منهم حفروا له الحفر في السعودية، وهذا ما كشفه يوم استدعائه اليها في 4 تشرين الثاني عام 2017 واستقالته من رئاسة الحكومة في الرياض، ويومذاك وجه اصابع الاتهام الى "القوات اللبنانية" التي حاولت نفي التهمة عنها.

فعودة الحريري للعمل السياسي تنتظر "الوقت الحلو"، لكن على ساعة مَن وكيف وضع عقاربها وعلى اي توقيت، حيث حاول سعد اللعب على الغموض الذي ما زال يكتنف كل تحركاته، ما دام لم يأت القرار من السعودية والتي على ما يبدو انه "الوقت الحلو".

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»