اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


الصحف والشاشات تضج بالمواقف التي تتحدث عن عبثية تفجير الخط الأزرق. الدليل أنه لم يؤثر، قطعاً، في الغزو البربري لغزة، لا بل قد يفضي الى اندلاع حرب لا تبقي ولا تذر. الثابت أن ضرورات لبنانية قصوى فرضت اتحاذ ذلك القرار، على أن تتم اضاءة كل الحيثيات في الوقت المناسب، وبعدما بات معلوماً أن هناك داخل "الكابينت" من دعا الى غزو لبنان لا غزة.

ولكن ثمة حقيقة صارخة، ويفترض أن تحكم العقل السياسي في لبنان، وهي أن على حدودنا تجثم ظاهرة مغولية، بايديولوجيا مجنونة، لا علاقة لها لا بالقرارات الدولية، ولا بالمواثيق الدولية. ثقافة الاجتثاث ليست بالطارئة. مثلما قضت على قرى فلسطينية عام 1948، سحقت بجنازير الدبابات الأسرى المصريين عام 1967، لنشهد في لبنان تدمير المنازل فوق أهلها.

هذه الحقيقة لم تهز الأوليغارشيا في لبنان، لا بل أن الطائرات الاسرائيلية كانت تحلق فوق بيروت منذ الخمسينات من القرن الفائت. استراتيجية اللامبالاة، ان لم تكن استراتيجية التواطؤ، اذ شرّعت الأبواب أمام غانيات أبو الهول، وأبو الزعيم، وأبو الجماجم، شرعت الأبواب أمام دبابات آرييل شارون.

لا تغيير في دولة قامت على جدلية الأزمات والتسويات، دون أن تظهر الحد الأدنى من المسؤولية في حماية جنوب لبنان، بل كل لبنان. هكذا كان على الآخرين أن يقاتلوا بجثثنا، وأن يفاوضوا بجثثنا...

المقاومة التي خرجت من هذه الأرض ينبغي أن تبقى على هذه الأرض، مع تأكيدنا بأن السلاح لمواجهة الخارج لا لمواجهة الداخل. أما التذرع بأحداث أيار 2008، فالرجاء العودة الى قرار مجلس الوزراء ـ الذي أقرّ الرئيس فؤاد السنيورة أنه تبناه تحت ضغط احدى الجهات ـ وكان يقضي بتسطير مذكرات جلب ضد قيادة "حزب الله"، بـ "جرم" مد خطوط هاتفية خاصة به، لتظهر الوقائع اللاحقة كم أن تلك العملية الوقائية كانت ضرورية للحيلولة دون الاختراق الالكتروني الاسرائيلي، حتى لقبورنا.

كيف لا نصدق ما أبلغه أحد الوزراء الذين حضروا الجلسة لأحد المراجع بأن جهاز استخبارات أجنبي، وحتى معاديا، هو من طلب التدخل، وبأي وسيلة، لتعطيل تلك العملية؟

حقيقة أخرى لمن تجمدوا، كما التماثيل الصدئة، عند القرن التاسع عشر، ولمن يسندون ظهورهم الى بعض موظفي الدرجة الثالثة في وزارة الخارجية الأميركية، وهي أن اللبنانيين وحدهم من يحمي لبنان. متى لم تلق واشنطن بحلفائها، الأكثر أهمية بكثير، على الأرصفة؟

لبنان، وللمرة الألف، على مفترق طرق، وقد يكون المفترق الوجودي. ولقد آن الأوان لوقف ثقافة التفاهة. أي صفقة، في الظل أو في الظلام، يتحدثون عنها؟ أبعد بكثير من أي رئيس للجمهورية في لبنان، أي جمهورية في لبنان؟ ولو كانت المسألة تتعلق بقصر بعبدا لشاهدنا السفيرة الأميركية تتناول العشاء في أحد مطاعم الضاحية.

هذا لا يعني أن المقاومة ليست معنية والى ابعد الحدود باختيار رئيس الجمهورية، في ظل تطورات على هذا المستوى من الحساسية. رئيس لا يهزه رنين الذهب، ولا تهزه الطرقات على الباب. ولا نتصور أنها في صدد اهمال شرط بنيوي. رجل بيدين نظيفتين في بلد استشرت في أرجائه، كما الطاعون، ظاهرة الأيدي القذرة.

كل ذلك الضجيج، بما فيه الضجيج الدموي، لم يؤثر، سوى بصورة محدودة جدا، في أولئك الذين يرون أن بقاءهم على عروشهم يفترض الذهاب في الاستقطاب، وفي التأجيج، الطائفي، والسياسي، الى حدود الانفجار.

قطعاً لم نأخذ الأمثولة لا من تجاربنا، منذ الاستقلال وحتى الآن، ومن تجارب الدول الأخرى، التي جعلها التصدع، أو التبعثر، الداخلي هدفاً للعبة الأمم. عندنا، أيضاً، هدفاً اما للمغول الجدد، أو لمن خططوا لاعادة النظر ان بالخرائط، أو بالدول، في الشرق الأوسط. لبنان مثلما كان دوماً، وبسبب الأوليغارشيا اياها، في مهب الرياح. الآن في مهب الحرائق.

عالم السياسة الانكليزي هارولد لاسكي تحدث عن "الاختلال في الوعي" كعامل أساسي في سقوط الدول، وفي سقوط المجتمعات، أمام أي هزة سواء كانت داخلية أم خارجية. ما بالكم حين نكون أمام الزلزال؟

لنقرأ ما كتب حول غزو هولاكو لبغداد. هل كان المغول يفرّقون بين رأس ورأس؟ كل الرؤوس تدحرجت، ولسوف تبقى تتدحرج...

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»