اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تنتشر في لبنان كل فترة مصطلحات سياسية وطائفية ينتج منها ازمات داخلية وتوترات تصل احيانا الى حروب، تتداخل فيها المصالح الداخلية مع الخارجية. ويخرج في كل طائفة من يطلق شعاراً يحاول فيه ان يحاكي ظروف بان جماعته تمر بها في مرحلة بها، فيتم التداول مثلا "بامتيازات المارونية السياسية"، "لكم لبنانكم ولنا لبناننا"، والمشاركة التي تفقدها الطائفة السنية في الحكم، الى الحرمان الذي تعيشه الطائفة الشيعية، وشعور الدروز بالتهميش وهم من كانوا يحكمون لبنان وساهموا في تكوينه.

مثل هذه التوصيفات الطائفية التي عرفها لبنان قبل حربه الاهلية، عادت لتطل من جديد مع كل ازمة سياسية، واستبعاد لفريق سياسي عن السلطة، او ان يخرج طرف من العمل السياسي، حيث كثر الحديث عن "حقوق المسيحيين"، او محاولة اقصائهم عن السلطة، فاعلن البطريرك الماروني بشارة الراعي، ان لبنان محكوم بـ "الدويكا" من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري (شيعي)، ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي (سني)، في ظل الشغور برئاسة الجمهورية وتعطيل انتخاباتها، فيصطف وراء الراعي من يتبنى خطابه، بان الموارنة معرضون للتصفية السياسية.

وفي الطائفة السنية، اعلن مفتيها الشيخ عبد اللطيف دريان ان السُنة في لبنان يمرون بمرحلة اليتم السياسي، رابطاً ذلك بتعليق الرئيس سعد الحريري العمل السياسي، وابتعاده عنه بقرار ذاتي الى خارج لبنان. وعندما حضر الى لبنان لاحياء ذكرى استشهاد والده رفيق الحريري، زاره المفتي دريان على رأس وفد من المشايخ متمنياً عليه البقاء في لبنان، كما ان جمهوره الذي احتشد امام مسجد محمد الامين في وسط بيروت طالبه بان يبقى معه، لكن الحريري توجه الى محازبيه قائلاً "كل شيء في وقته حلو"، دون ان يعلن على اي توقيت سيعود، وهو الذي ورث "الحريرية السياسية" بقرار سعودي من الامير بندر بن سلطان، الذي اصطحبه الى اميركا وقدمه الى المسؤولين فيها. وهذا ما خلق شرخاً بينه وبين شقيقه بهاء، الذي يعتبر انه الاحق بان يكون الوريث السياسي. وادى هذا الخلاف الى انقسام سياسي وتشتت في "تيار المستقبل"، وعندما اعتكف الحريري، تقدم بهاء الى العمل السياسي ليعيد وديعته لكنه لم يتمكن، بالرغم من صرفه لاموال طائلة واستخدامه الاعلام.

فالطائفة السنية ليست "يتيمة سياسياً"، فيها تيارات سياسية وحزبية متعددة، وفق مرجعية سياسية سنية تستعرض تاريخ السُنة في لبنان، الذين كانوا مشاركين في تأسيسه، حيث حضر مفتي الجمهورية الشيخ مصطفى نجا للاعلان عن "دولة لبنان الكبير" في قصر الصنوبر في اول ايلول 1920، فارتضى السُنة لبنان كياناً لهم مع شركاء آخرين فيه لايمانهم بوحدته، لكن من ضمن انتماء عربي، حيث كانت تطلعات الغالبية من السُنة نحو الوحدة السورية والعربية في مطلع القرن العشرين، وقد تشاركوا مع كل الطوائف والمذاهب في لبنان وما زالوا تحت ثوابت وطنية، تقوم على وحدة لبنان ورفض تقسيمه تحت اي عنوان ومسمى، وحملوا السلاح عندما لاحت مشاريع تقسيمية في السبعينات. وكانوا يطالبون بالمشاركة الفعلية في الحكم، لان القادة السُنة من السياسيين كانوا جسر عبور لبنان نحو العروبة، بالشركة التي قامت في ميثاق عام 1943، كما يقول المرجع، الذي يشير الى ان الطائفة السنية لم تتعاط مع الهوية العربية من منطلق مذهبي، بل بما ترمز اليه العروبة من انتماء حضاري ودورة اقتصادية لبيئة قومية، فكانت الدعوة الى علاقات مميزة مع المحيط العربي، ولم تكن لها بوابات سوى الموقف والموقع، في مرحلة كانت سوريا كعمق جغرافي واقتصادي وامن قومي، ثم مصر في مرحلة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وتبع ذلك السعودية، التي كان لها الدور البارز في انهاء الاقتتال في لبنان وانبثاق اتفاق الطائف، الذي ارسى اصلاحات وانتماء ومقاومة للعدو الاسرائيلي، وساهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري في انتاجه.

في كل مرحلة من تاريخ لبنان السياسي، ظهرت مرجعيات وعائلات سياسية، ولم تختصر الطائفة السنية بجهة معينة، بل فيها التعدد السياسي، فكان من الزعماء الذين برزوا فيها: آل كرامي مع المرحوم عبد الحميد كرامي، ومن اتى بعده كابنيه رشيد وعمر، والآن حفيده النائب فيصل كرامي. كذلك آل الصلح من رياض الى سامي ورشيد تقي الدين والمفكر منح الصلح. كما برزت شخصيات سنية وازنة تولت رئاسة الحكومة كحسين العويني وعبدالله اليافي وشفيق الوزان وسليم الحص ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وحسان دياب، وكان لآل سلام حضور في رئاسة الحكومة مع الرئيس صائب سلام ونجله تمام، والوزير مالك سلام، اضافة الى الوزير الراحل نزيه البزري ونجله النائب عبد الرحمن.

من هنا، فان الطائفة السنية ليست يتيمة سياسياً ولا احتكار في تمثيلها، وتم التعبير عن ذلك من خلال المشاركة الفاعلة للطائفة السنية في كل المراحل، سواء في النضال القومي الى جانب فلسطين، او طرح الاصلاح السياسي للنظام اللبناني، من اجل الوصول الى لبنان حديث وجديد. وقد ساهم وطنيون وقوى حزبية في الطائفة السنية في الدفع نحو الاصلاح، وهو ما تبنته الحركة الوطنية اللبنانية في برنامجها الاصلاحي، ودخلت بنود فيه في اتفاق الطائف كقانون الانتخاب واللامركزية الادارية والغاء الطائفية.

فاذا علق طرف سياسي عمله، تكون طائفة ما في يتم، وقد يكون التمثيل انعكس او تشتت، ولا يمكن وصف الطائفة السنية بانها تمر في حالة "اليتم السياسي" مع تعليق "تيار المستقبل" للعمل السياسي، حيث اظهرت نتائج الانتخابات النيابية ان نوابا من "كتلة التوافق الوطني"، التي تضم ستة نواب سنة برئاسة فيصل كرامي، حصلوا على نحو اكثر من 35% من الاصوات، سبق لها وتمثلت في حكومات، كما ان "تيار المستقبل" لديه كتلة نيابية مقنّعة تضم ستة نواب وغالبيتهم من الشمال، اضافة الى ان نائبين سنيين في كتلة "الوفاء للمقاومة" التابعة لحزب الله، ونائبان في كتلة "التحرير والتنمية" برئاسة بري، اضافة الى احزاب وتنظيمات وتيارات وهيئات وجمعيات تعمل داخل الطائفة السنية ولها حضورها، كما لشخصيات ورجال اعمال ومال.

ان تظهير الحالات الطائفية من المراجع والاحزاب، هو ما يفتت الوحدة الوطنية، ويشرذم اللبنانيين ويضعهم في متاريس طائفية، باستنفار ما يسمى حقوق واقصاء وتهميش وحرمان، وكلها مصطلحات تنذر دائماً باشعال حرب اهلية توقدها مصالح خارجية.

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»