اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تُخصّص "لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه" التي اطلعت يوم الخميس الفائت على واقع مؤسسات المياه، وعلى خطة الطوارىء المقترحة لفصل الصيف، جلستها هذا الأسبوع لمناقشة موضوع السدود لا سيما سد بسري. ويُشكّل موضوع الثروة المائية في لبنان أهمية كبرى، نظراً لأطماع العدو الإسرائيلي بها، وتُسانده الولايات المتحدة الأميركية في الحصول على هذه الثروة، من خلال دعم مطلبه الذي ينصّ على رفضه الخروج من الأراضي اللبنانية المحتلّة، لا سيما من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر. في الوقت الذي لم تقم فيه الدولة اللبنانية حتى الساعة بوضع خطّة مجدية للحفاظ على ثروتها هذه، سيما وأنّ ثمن ليتر المياه اليوم بات أغلى من سعر ليتر النفط.

في شرح لتفاصيل هذه المحاولات الأميركية- "الإسرائيلية"، يكشف السفير الدكتو بسّام النعماني لجريدة "الديار" بأنّ وكالة الإستخبارات الأميركية (سي.آي.أي) قامت في العام 1958 بإصدار خرائط جيولوجية وطوبوغرافية للكثير من دول العالم، ومنها لبنان. غطت هذه الخرائط مصادر المياه السطحية والجوفية، والتربة والمكونات الصخرية، وصلاحية شبكة المواصلات والطرق والمرافئ، وصلاحية البلاد لإنشاء المطارات والمنشآت لكل بلد على حدة. وأبقت هذه الخرائط "سرية Confidential"، ربما لغرض إستخدامها لأهداف عسكرية وإستراتيجية.

ولكن في العام الحالي (2024) أي بعد مرور نحو النصف قرن، على ما تابع النعماني، جرى نشر هذه الخرائط في الأرشيف الرسمي الأميركي وأصبحت متاحة للعموم. وثمّة أسباب كثيرة للكشف عن هذه الخرائط والوثائق، التي كانت تعتبر في حينه وثائق ومستندات "سرية" ومحظورة. ولعل أول هذه الأسباب هو إستبدال استعمال النسخ الورقية لهذه لخرائط بتلك التي تلجأ إلى التكنولوجيا الحديثة الرقمية، وحق الوصول إلى المعلومات التي أصر عليها المجتمع الأميركي الذي يُقدّس الديموقراطية، ما أتاح للباحثين الوصول إلى الوثائق الرسمية، لا سيما في حال معرفتهم بموضوعها أو عنوانها ورقمها وتاريخها، وأخيراً الإنتشار الهائل للمعلومات على الشبكة العنكبوتية.

فماذا في خريطة وكالة الإستخبارات الأميركية؟ يجيب النعماني بأنّها تُبين وتُحدّد بوضوح أنّ كميات المياه الجوفية هائلة في جبل لبنان، وصولاً إلى مرجعيون ومزارع شبعا (وهو ما يفسر تمسك العدو الشديد بمزارع شبعا وسفوح جبل الشيخ وعدم إستعداده للإنسحاب منها). ولكن إذا تمت مقارنة هذه الخريطة بخريطة ثانية أصدرتها السلطات الأميركية حول الطبيعة الجيولوجية والصخرية لأراضي الجمهورية اللبنانية، فيتبين بأن أسطح الأراضي في تلك المنطقة من الكارست، تعاني من الترسبات الردمية والكربونية المتشققة التي لا تُمكّنها من حجز المياه المخزنة بواسطة السدود. كما أنّه عدا عن الينابيع والمنحدرات، فإن الوصول إلى هذه المياه ليست بهذه السهولة.

فهذه الخرائط الأميركية، على ما أوضح، تؤكد النظرية التي دعا اليها الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية وأحد الخبراء الجيولوجيين القليلين في لبنان، الدكتور سمير زعطيطي الذي هاجم لسنوات مضت وزارة الطاقة والمياه لأنّها نشرت تقريراً حول المياه الجوفية في العام 2014، رأى أنّها تلاعبت فيه بتقرير قديم صدر عن برنامج منظمة الأمم المتحدة للتنمية UNDP في العام 1970. وقد قام التقرير المستحدث بخفض متعمّد للمياه الجوفية في لبنان من 3 مليار مكعب مياه إلى النصف، أي نحو 1.5 مليار، وذلك توخياً للدفاع عن سياسة إنشاء السدود التي إنتهجتها هذه الوزارة ومنها سد بسري.

والمفارقة أن تقرير وزارة الطاقة 2014، والذي قام بتحريف تقرير 1970، هو ممهور أيضاً بختم منظمة الأمم المتحدة للتنمية UNDP، ومنظمات أخرى عدّة قامت برعاية نشر هذا التقرير الجديد.. ويُركّز التقرير القديم على خرائط وبيانات الطبقات الجيولوجية التي يتكون منها لبنان، توصلاً لترصيد كمية الثروة المائية. من هنا، ألقيت اللائمة على خبراء منظمة الأمم المتحدة الذين جرى تعيينهم في شتى الوزارات اللبنانية، بحجة أنهم خبراء في البيئة والرصد الجوي، وكانوا يتلقون الرواتب العالية الخيالية بالعملة الأجنبية. وهؤلاء انحازوا بطبيعة الحال إلى سياسة الوزارة لإنشاء السدود التي وصلت قيمة الهدر فيها الى ملياري دولار، ولكنها أثبتت فشلها في سدود بقعاتا وبلعا ومسيلحة، إذ لم تتمكن من تخزين كميات المياه المطلوبة، نظراً لتسرب المياه من الطبقات الكاربونية. وهذا الأمر قد سبق وحذر منه زعطيطي الى جانب نشطاء المجتمع المدني والأساتذة الجامعيين، مثل الخبير البيئي بول أبي راشد والمدير العام السابق لوزارة الطاقة غسان بيضون.

وقد شدّد النعماني على أنّ السدود هي سياسة مائية قديمة ومكلفة جداً عفا عليها الزمن، وكانت ولا تزال وسيلة للإستعراض والتفاخر الباطوني بين الزعماء والدول. وقد استعاضت عنها أوروبا في الثمانينات بدراسات سمحت بإستثمار المياه الجوفية. فباريس وروما وفيينا تعتمد كليّاً على مياه المخازن الصخرية، لا سيما الكربوناتية القاسية والمشققة والذائبة في مياه الأمطار المسماة مخازن كارستية. ويتحدّث عن أنّ المخازن الكارستية منكشفة على مساحات واسعة ما يقدر بنحو 70 % من مساحة لبنان وتستقبل كميات كبيرة من الأمطار والثلوج.

ولهذا لا بدّ من استبدال سياسة إقامة السدود، بحسب رأيه، بسياسة إستعمال المياه الجوفية بشكل متوازن ومدروس. ويبدو أنّ العدو الإسرائيلي ينفذ هذه السياسة في الجليل الأعلى، مستفيداً من الموانع والحواجز التي تضعها الوزارات اللبنانية المختلفة على حفر الآبار الإرتوازية بشكل عشوائي في القرى والبلدات، فتتسرب بالتالي كامل المياه الجوفية من لبنان إلى فلسطين. وفي هذا السياق، فإن الخريطة الأميركية تشير إلى الينابيع المغمورة على طول الساحل، لا سيما في طرابلس وأميون وصيدا وصور، والتي تزودها المياه الارتوازية التي تدخل إلى طبقات المياه الجوفية. وتطوير هذه الينابيع يحتاج إلى تقنيات عزلها عن مياه البحر.

أما السؤال الذي قد يخطر على البال فهو لماذا لم تعط الحكومة الأميركية هذه الخرائط والنتائج إلى لبنان منذ البدايات؟ غير أنّ الإجابة عنه تستتبع أسئلة أخرى، على ما تساءل السفير النعماني: ولماذا لا تعطي مفوضية الأمم المتحدة للاجئين الأرقام الإحصائية للنازحين السوريين؟ ولماذا لم تعط الدول الكبرى صور إنفجار المرفأ كما صورتها الأقمار الصناعية؟ لقد آن الأوان للبنانيين أن يفكروا بطريقة مستقلة "خارج الصندوق"، وهي أنه بتعاونهم وبتكاتفهم وبخبراتهم، يمكنهم صنع المعجزات. ولعل أول الغيث هو التخلي عن سياسة إقامة السدود، وتسميم وتلويث المياه الجوفية، وإتباع سياسة متوازنة وعقلانية لاستثمارها، والتوقف عن تلويث الأنهار وإستعمالها كمكبات للمصانع، ووقف عملية الكسارات والمقالع في جبل لبنان بشكل عشوائي بل إنتحاري، وفصل الربط بين السياسة المائية والطاقة الكهربائية، واعتبار المحافظة على المياه وتطهير الأنهر والآبار أولوية، ليعود لبنان خزان المياه في المنطقة، وذلك عن طريق إنشاء وزارة مستقلة لها. فلا تنسوا بأنّ ليتر المياه في عالم اليوم أصبح أغلى من ليتر النفط في دول الخليج.

الأكثر قراءة

40 دقيقة تحول الشمال الى «جحيم» وواشنطن ترسم «خطوطا حمراء» للتصعيد! اعنف هجوم للمقاومة على مواقع حساسة... هل ارتكبت «اسرائيل» خطأً استراتيجيا؟