اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


يواصل البعض في الداخل اللبناني الحديث عن أنّ حزب الله عن طريق فتح الجبهة الجنوبية في 8 تشرين الأول الفائت (أي بعد عملية طوفان الاقصى التي قامت بها حركة حماس ضد جيش العدو الإسرائيلي في 7 تشرين)، بهدف "إسناد" المقاومة الفلسطينية، قد أدخل لبنان في مواجهة عسكرية، وربّما في حرب جديدة مع "إسرائيل". فالمعارك الدائرة في الجنوب قد تتوسّع لتشمل لبنان ككلّ، رغم تحذير جهات دولية عديدة من التصعيد. ويعتقد هذا البعض بأنّه لو لم يفعل الحزب، لكان جرى تحييد لبنان عن المخططات "الإسرائيلية" المتعلّقة بتهجير فلسطينيي غزّة، ولاحقاً فلسطينيي الضفّة الغربية، وإعادة توطين "الإسرائيليين" في الأراضي الفلسطينية المحتلّة... وصولاً الى "الاستيطان في الجنوب اللبناني".

هذه الفكرة التي نوقشت أخيراً في مؤتمر عُقد عبر "الإنترنت"، ونظّمته حركة يمينية متطرّفة تُسمّى "عوري تسافون"، التي تعني "أيقظوا الشمال"، شارك فيه حاجي بن أرتزي شقيق سارة زوجة رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، الذي قال: "نحن لسنا متطرفين، ولا نريد متراً وراء نهر الفرات"، تهدف الى "الدعوة الى إقامة مستوطنات في الجنوب اللبناني". على أنّ المؤتمر الذي حمل عنوان "مؤتمر لبنان الأول" تضمّن كلمات ضمن ندوة موسّعة بعنوان "نماذج ناجحة للاستيطان من الماضي ودروس لجنوب لبنان".

وتكشف أوساط ديبلوماسية مطّلعة في هذا السياق، أنّ هذه الفكرة هي حلم من أحلام "الإسرائيليين"، وهي ليست فكرة جديدة، إذ سبق وأن دعا "الحاخام" مائير كاهانا الى الإستيطان في مزارع شبعا في الثمانينات. وبالفعل أقام "الإسرائيليون" مستوطنة في برختا (إحدى مزارع شبعا) بالقرب من المكان الذي أقيم فيه المرصد. (علماً بأنّ كاهانا هو "حاخام إسرائيلي" متطرّف وأحد زعماء "الصهيونية التصحيحية"، تميّز بأفكاره العنصرية التي تدعو الى العنف ضدّ غير اليهود، وسُجن عقب إعلانه أن "ليس هناك إلّا حلّ واحد للإرهاب العربي، وهو الإرهاب اليهودي المضاد باستخدام العنف". وقد طالب بضمّ جميع الأراضي المحتلّة وتهجير الفلسطينيين قسراً).

وتتجدّد هذه الفكرة في كلّ مرّة من قبل المتطرّفين، على ما أضافت الاوساط، ويعتقد هؤلاء بأنّه ليس على حكومتهم "إحتلال الأراضي المحتلّة الواقعة جنوبي لبنان فقط، وإنّما إقامة مستوطنات "إسرائيلية" في الجليل الشمالي، على الأقلّ حتى نهر الليطاني". كما يفرحون عندما يجري الحديث عن انتقالهم للعيش في المناطق التي تحتلّها "إسرائيل" جنوب لبنان، و "يشعرون بالذعر" من الجديّة التي يُناقش بها بعض الوزراء وضبّاط الجيش و"الحاخامات" فكرة "إعادة توطين اليهود في قطاع غزّة".

من هنا، على ما تقول الأوساط الديبلوماسية نفسها، يظهر لماذا يُطالب نتنياهو عبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، بانسحاب فرقة الرضوان من جنوب الليطاني. فالهدف لا يقتصر فقط على ضمان أمن "المستوطنات الشمالية" لإعادة المستوطنين إليها قبل أيلول المقبل، إنّما لكي يتمكّن "الإسرائيليون" لاحقاً من تحقيق حلم "الاستيطان في هذه المنطقة". ولهذا يقوم حزب الله بخطوة استباقية لمنع "الإسرائيلي" من تنفيذ مخطّطه التوسعي الاستيطاني هذا، ويرفض ما يطالب به رئيس حكومة العدو لجهة التراجع 8 كيلومترات عن الحدود مع فلسطين المحتلّة.

كما تأتي فكرة "فتح الجبهة الجنوبية"، على ما أوضحت الاوساط الديبلوماسية، من ضمن مواجهة أو منع أي توغّل "إسرائيلي" برّي الى القرى والمناطق الجنوبية، سيما أنّ "الإسرائيليين" سبق وأن أعلنوا، على ما اعتقدوا، أنّ الحرب على قطاع غزّة لن تستلزم سوى أسبوعين، يتوجّهون بعدها الى جنوب لبنان. غير أنّ المقاومة أثبتت دحر هذا المخطط، إذ لا تزال الحرب مستمرة منذ أكثر من 8 أشهر، من دون تحقيق حكومة نتنياهو أهدافها المعلنة وغير المعلنة. فقادة اليمين المتطرّف، الذين يحتكرون قدراً كبيراً من حكومة العدو حالياً، لديهم نيات وخطط داعمة لتوسيع حدود "إسرائيل" الى مناطق جديدة، رغم أنّهم لا يستطيعون حتى حماية المدنيين في منازلهم.

وهذه الخطط يعمل حزب الله على التصدّي لها لكيلا تتحقّق لا اليوم ولا غداً، وفق الأوساط عينها، وخصوصاً أنّ هؤلاء يودّون على ما يقولون "استعادة أرض الميعاد"، التي يعتقدون أنّ لبنان يُشكّل جزءاً منها. فـ "الوعد المحدود" يصل من وجهة نظرهم الى خليج الإسكندرون في تركيا، ويشمل كلّاً من لبنان وغرب سوريا، في حين أنّ "الوعد الموسّع" يضمّ الأرض الواقعة جنوب الفرات وكلّ سوريا وغرب العراق. ويبدي هؤلاء بالتالي تفاؤلهم في إمكان تحقيق ذلك، من خلال التذكير بأنّ "خططهم للاستيطان في الضفّة الغربية بدت غربية بالقدر نفسه قبل نحو 50 عاماً. فقد قامت حركة "غوش أيمونيم" الدينية القومية بإنشاء أول مستوطنة في سبسطية، وهي بلدة فلسطينية في محافظة نابلس في الضفّة الغربية المحتلّة". كما دعت الى العودة إلى "وطن قبيلة أشير" في العام 1982 عندما اندلعت حرب لبنان الأولى. غير أنّ هذا الأمر لا يمكن أن يُسمح له بأن يحصل في أي من الأراضي اللبنانية المحتلّة. كما أنّ هؤلاء المتطرّفين ليس لديهم أي نظرة ثاقبة لتاريخ لبنان وجغرافيته وطوبوغرافيته الحالية.

 وتجد الأوساط الديبلوماسية أنّ مثل هذا المخطط يبدو منفصلاً عن الواقع في المرحلة الراهنة، كون عدد المؤيّدين لهذه الفكرة ليس كبيراً. كما أنّ عدد الذين شاهدوا هذا المؤتمر لا يتعدّون الـ 280 شخصاً. كذلك فإنّ حزب الله دعا هوكشتاين فور انتهاء الحرب في غزّة، الى العودة الى لبنان لمناقشة فكرة تطبيق الحدود البريّة والقرار 1701 الذي يطالب القوّات "الإسرائيلية" بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلّة، بما فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر، وحلّ الخلاف حول النقاط الـ 13 التي يتحفّظ عنها لبنان. وهذا يعني أنّ "حلم إقامة وطن لليهود في لبنان، لن يصبح أمراً واقعاً، وسيتمّ إفشال ما يعتقدونه أنّ "أوهام اليوم هي سياسة "إسرائيل" في الغد، وستصبح في اليوم التالي هي الواقع"، منذ الآن وحتى لو بعد 50 سنة أو أكثر.

الأكثر قراءة

كباش بري - جعجع: ما خُفي أعظم!