اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب



أنطون سعاده رفضَ أنْ يقضيَ حياتَهُ في همٍّ وشجَنٍ وندْبٍ سائراً معَ القُطْعانِ البشريَّةِ ومستسلماً لواقعِ أمَّتِهِ المُجزَّأةِ إلى دُوَيلاتٍ صغيرةٍ، والمغلوبةِ على أمرِها... رفضَ أنْ يستكينَ في ظلال ِالصَّمتِ والطُّمأنينةِ، وخمول ِالسلامةِ والتَّردُّدِ والكَسلِ، وقرَّرَ أنْ يلبِّيَ نداءَ الوُجدانِ، ويُنقِذَ شعبَهُ من مُعضِلاتِهِ. فوجدَ الحلَّ الإنقاذيَّ الجِدّيَّ، بمشروعِ النَّهضةِ القوميَّةِ الاجتماعيَّةِ الّتي تعيِّنُ الاتجاهَ والغايةَ، وتُحقِّقُ وحدةَ الأمَّةِ المُجزَّأةِ، وتستعيدُ أجزاءَها السَّليبةَ، وتنقذُ فلسطينَ والأمَّةَ كلَّها من خطرِ المشروعِ الصُّهيونيِّ الاستيطانيِّ، وتخرجُنا منَ التَّخَبُّطِ في وُحولِ الطّائفيةِ وقضايا المصالحِ الخُصوصيَّةِ، وتجمَعُ الشَّعبَ حولَ قضيَّةٍ كُليَّةٍ "فيها كلُّ الخيرِ وكلُّ الحقِّ وكلُّ الجمالِ..."[i]

كرّسَ سعادة حياتَهُ لخدمةِ شعبِهِ وتحريرِ بلادِهِ، مُضَحِيًا بوقتِهِ وراحتِهِ وهناءِ عائلتِهِ، ومتعرِّضًا للنَّفْيِ والمحاكمةِ الغيابيَّةِ وللدَّسائسِ والوشاياتِ والتَّهديدِ بالقتلِ مرارًا... لمْ تُزَعْزِعْهُ المكائدُ والأضاليلُ والإشاعاتُ الكاذبةُ والأصواتُ الخبيثةُ، ولمْ تُرهِبْهُ سُلُطاتُ الإرهابِ والظُّلمِ والطُّغيانِ، وتهديداتُها، ولمْ يُزَحْزِحْهُ نَفْيٌ ولا سَجنٌ ولا تنّينُ الرَّذائلِ والقبائحِ ولا مُشَعْوِذِو الصَّحافةِ المُنافقةِ، المَعْيوشةِ، ولا طائفةُ الخُنوعِ والرَّجعيةِ والعارِ، المنهزمينَ، المتعايشينَ، المنافقين، والسّاقطينَ قي مُستنقعاتِ الذُّلِّ والخيانةِ والعبوديَّةِ والعار.

استخّفَ بكلِّ هذه الأهوالِ وبخبائثِ أولئكَ الغادرينَ وسفالتِهم، واستلذَّ آلامَ تلكَ الفظائعِ في سبيلِ الواجبِ القوميِّ المقدَّسِ، ومشى في طريقِ الحقّ ِمجاهرًا ومعلّمًا ومدافعًا عن حقوقِ أمّتِهِ وحرّيّتِها وسيادتِها على نفسِها ومحتقرًا الّذينَ تخلَّوْا عنْ طريقِ الحرّيّةِ والصّراعِ، واختارُوْا طريقَ العبوديّةِ والعيشِ الذّليلِ. جَعلَ سعاده مجدَ الأمّةِ غايتَهُ، وراحَ يُجاهدُ ويكافحُ في سبيلِ شعبِهِ بثَباتٍ وجُرأةٍ وإقدام، فلمْ ييأسْ ‏يومًا ولمْ يتراجعْ عنْ مَهَمَّتِهِ الرَّسوليَّةِ، في استنهاضِ أمَّتِهِ وتحريرِها... بلْ كانَ دائمًا شديدَ الثِّقةِ بنفسِهِ، وكانَ إيمانُهُ بطيبةِ شعبِهِ كبيرًا، فواجَهَ التّحدّياتِ بِعزْمٍ وإرادةٍ صلبَةٍ وعملٍ متواصلٍ وعطاءٍ سخيٍّ فكرًا وأدبًا وإبداعًا ومواقف.َ وباختصارٍ، كانَتْ حياتُهُ كلُّها أروعَ تعبيرٍ عنِ القِيَمِ المِثاليَّةِ الّتي جسّدَها تجسيًدا حيًّا في ذاتِهِ وشخصيَّتِهِ وفي أخلاقِهِ ووقفاتِهِ الّتي توَّجَها بوقفةِ عزٍّ اختصرَتْ كلَّ البطولاتِ، توّجَها بقيمةِ القِيَمِ، الفداءِ، في سبيلِ حرّيّةِ أمّتِهِ وخيرِها وجمالِها.

وقيمةُ الفداءِ جَسَّدَها سعاده في أبهى مظاهرِها وأكملِ معانيها في ليلةٍ كالحةٍ ظلماءَ من ليالي تموزَ من العامِ 1949 في مُنازلةٍ بُطوليٍّة تذكِّرنا ببطولاتِ آلهةِ أساطيرِنا الخالدة، الّتي كانَتْ تنازلُ قِوى الشّرِّ والغضَبِ والموتِ، وتُضَحّي بحياتِها من أجلِ ديمومةِ الخصبِ والجمالِ واستمرارِ الحياةِ...

في تلك المنازلةِ البُطوليِّةِ بينَ الحَقِّ والباطلِ، لم يهتمَّ القائدُ الشُّجاعُ ورجلُ القضيّةِ بخلاصِهِ الفرديِّ، بلْ تقدَّمَ إلى المواجهةِ ليصونَ سلامةَ النّهضةِ وليؤكّدَ صِحّةَ العقيدة... مثبّتاً قوله "إنَّ الحياةَ كلَّها وقفةُ عزٍّ فقط."

مشى هذا القائدُ الشُّجاعُ، كما يذكرُ الكاهنُ الّذي عرَّفه، "بخطىً هادئةٍ قويّةٍ وَهْوَ يبتسمُ... لمْ ينفعلْ، كأنَّ الإعدامَ فِعْلٌ نُفِّذَ بِهِ مَرّاتٍ عديدةٍ منْ قبلُ... لم ترهبْهُ سَطوَةُ الباطلِ وسلطانُهُ وجيوشُهُ، ولمْ يتخلَّ عن عقيدتِهِ وإيمانِهِ وأخلاقِهِ لينقذَ جسدًا باليًا لا قيمةَ لهُ. تقدَّمَ إلى خشبةِ الإعدامِ وواجَهَ الموتَ بوقفةٍ بطوليّةٍ اختصرَتْ كلَّ البطولاتِ؛ واجهَهُ بأعصابٍ هادئةٍ، ورحّبَ بهِ طريقًا لحياةِ الأمّةِ، مُردّدًا "أنا لا يهمُّني كيفَ أموتُ بلْ من أجلِ ماذا أموتُ، لا أَعُدُّ السِّنينَ الّتي عِشْتُها بلِ الأعمالَ الّتي نفّذْتُها. هذهِ الليلةَ سيُعدمونَني، أمّا أبناءُ عقيدتي فسينتصرونَ وسيجيءُ انتصارُهم انتقامًا لموتي"...

في تلكَ الليلةِ التّمُّوزيّةِ الظّلماءِ، تجسَّدَ فعلُ البُطولةِ النّادرةِ بقولِهِ للجلّادينَ وهْوَ ينظرُ إليهِم نظرةَ التّحدّي: "دعوا عينيَّ مفتوحتَينِ لأرى الرّصاصَ يخترقُ صدري"... وانهمرَتْ رصاصاتُ الحِقدِ والغَدْرِ والخيانةِ عليْهِ واخترقَتْ صدرَهُ وهْوَ يردّدُ بسموٍّ وأخلاقٍ عاليةٍ كلمةَ "شكرًا" لجلّاديه... وتفجّرتِ الدّماءُ الزكيّةُ انتصارًا للحقِّ والقضيّةِ، وافتدتِ الأمةَ ذاتَها بشهادةِ عظيمِ عظمائِها ومعلّمِ أجيالِها الّذي انتصرَ على الموتِ وكفِلَ النّهضةَ واستمرارَ القضيّةِ بدمِهِ، فكرّسَ باستشهادِهِ الفداءَ، أسلوبَ نضالٍ وطريقةَ حياةٍ وفعلًا إنسانيًّا بطوليًّا يختزِلُ تَوقَ الشّعبِ إلى حياةٍ حرّةٍ وكريمة.



الأكثر قراءة

كارثة عالميّة... خسائر بمليارات الدولارات... عطل تقني أم خرق سيبراني؟ ما هي خطط ترامب إذا عاد إلى البيت الأبيض؟ لبنان لن ينجو من «الرمادية»...ولكنه سيتفادى قطيعة المصارف المراسلة