"عهدي أن نستثمر في العلم ثم العلم ثم العلم، وفي المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية، وفي الحفاظ على التعليم الخاص وحريته"، كلمات تعهد بها الرئيس العماد جوزاف عون في خطاب القسم أمام العالم أجمع واللبنانيين خصوصا، معيداً إليهم الأمل والتفاؤل بمستقبل زاهر للبنان، مؤكدا أن " الاستثمار بالعلم والثقافة في لبنان أمر أساسي ومستدام، وهذه رسالتنا التي سنعمل على المحافظة عليها، منذ مدرسة تحت السنديانة التي خرجت ادباء ومفكرين وعظماء في شتى المجالات".
فالعلم نور والجهل ظلام، ولطالما كانت بيروت أم الشرائع لقب أطلقه المؤرخون عليها، لاحتضانها في العهد الروماني أقدم مدرسة للحقوق، تستقطب الطلاب وتخرج الكوادر من جميع ولايات وأطراف الإمبراطوارية المترامية.
يذكر أن بيزنطية (النصف الشرقي من الإمبراطورية) خصصت بيروت بعلم الحقوق وتأسيس أقدم مدارس فيها، وصارت أيضا "مرضعة القوانين" و "مخترعة الحروف"، كما وصفها المستشار القانوني الألماني يوهان ستراوخ في كتابه "بيريت... أقدم كتاب مطبوع عن حاضرة بيروت" سنة 1662 ميلادي. وشكل تراث هذه المدرسة الحقوقية الأقدم لتاريخ بيروت المعاصر، والتي دامت قرابة قرنين قبل الميلاد واستمرت حتى 551 بعده، ركيزة أساسية في نشر المعرفة والثقافة العربية، ما أدى الى تأسيس كليات قانونية وحقوقية في بيروت ما تزال قائمة إلى يومنا هذا.
واليوم أمام كل الأزمات التي عصفت بالوطن منذ عام 2019 حتى اليوم، لم ينج أي قطاع من قطاعات الدولة من تداعيات تلك الأزمات، بدءا من الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة اللبنانية التي فقدت الكثير من قيمتها، مرورا بازمة كورونا وانفجار المرفأ والنزوح من بلاد الجوار، وصولا إلى الحرب "الإسرائيلية" المدمرة على لبنان.
انخفاض قيمة رواتب
المعلمين بنسبة تجاوزت 90٪
هذه الأزمات أنهكت القطاع التربوي وجارت على المعلمين الحاليين والمتقاعدين، فانهيار قيمة الليرة اللبنانية أدى إلى انخفاض قيمة رواتب المعلمين بنسبة تجاوزت 90٪ ، بينما استفاد البعض من تعويضات مالية إضافية، وبقيت الرواتب منخفضة جدا بحيث لا تسمح بتغطية نفقات المعيشة الأساسية، مما دفع الكثير من المعلمين والمعلمات الى العمل في وظيفة ثانية، من أجل تغطية نفقات معيشتهم.
"من غير المقبول ألا يتجاوز راتب المعلم المتقاعد 100 دولار، وهو الذي أفنى عمره في التعليم 40 سنة أو أكثر، كما أنه من غير المقبول أن يكون متوسط الدخل الشهري للمعلم 131 دولارا، في حين أن تكاليف النقل الشهرية تبلغ 128 دولارا، فلا يتبقى لهم سوى 3 دولارات لتلبية احتياجاتهم طوال الشهر، فهذا قمة عدم الإنسانية"، بحسب ليا وهي مدرسة في القطاع الخاص، مضيفة "أجبرت هذه التكاليف المرتفعة عددا من المعلمين والمعلمات على التغيب عن أيام التدريس في المدرسة، ونتيجة لذلك أخذت حيالهم إجراءات تأديبية بسبب التغيب عن العمل وحرموا من التعويض الإضافي، وقد أثرت هذه الصعوبات سلبا في حماس المعلمين والمعلمات للعمل وفي سلامتهم النفسية".
خليل مدرس في القطاع العام أكد أن "الوضع المزري الذي يشهده المعلمون والمعلمات، وفشل الجهات المعنية في الاستجابة للأزمة بشكل مناسب، أدى إلى يأس الكثير منهم، حيث يخطط معظمهم لهجرة القطاع التعليمي او مغادرة لبنان، والإنسان لا يصل إلى قرار الهجرة إلا بعد أن تنقطع به السبل".
أزمة التعليم عالمية
نحن بحاجة إلى معلمين متميزين، يؤمنون برسالتهم ويلتزمون بها، معلمين يُقدّرون الطلاب ويحترمون كرامتهم، ولكي نحقق هذا الهدف لا بد من توفير الظروف المناسبة للمعلمين، من حيث الإمكانات المادية والدعم المعنوي.
نقيب المعلمين في لبنان نعمة محفوض أكد أن "ثمة أزمة في مجال التعليم عالمياً، وهناك نقص في أعداد الأساتذة، والمسألة ليست محصورة بلبنان وحده إذ لم تعد رواتب الأساتذة مغرية، ولم تعد دول العالم ترصد ضمن موازناتها مبالغ كافية لوزارات التربية، وإن كانت هناك دول راقية تقدر أهمية مهنة التعليم، وتكافئ الأساتذة على الدور الذي يؤدوونه مثل ألمانيا، حيث أقيمت تظاهرات للقضاة للحصول على رواتب موازية لتلك التي يحصل عليها الأساتذة، وأيضاً في سنغافورة واليابان حيث أجور الأساتذة جيدة".
ونقل محفوض إلى رئيس الحكومة القاضي نواف سلام معاناة المعلمين، بعد خمس سنوات من الكوارث والأزمات التي مر بها لبنان، وشدد على وجوب إيلاء المطالب النقابية التربوية الاهتمام اللازم من قبل الحكومة الجديدة، خصوصا مسألة صندوق التعويضات، بعد أن فقدت تعويضات المعلمين قيمتها وأصبحت بلا جدوى، مطالبا بإصدار مرسوم مجلس الإشراف على الصندوق في مجلس الوزرا، كما طالب بإيجاد حل سريع لأزمة الأساتذة المتقاعدين، لأن "رواتبهم لا تتخطى 30 و40 دولارا شهريا، وهذا غير مقبول".
لا ثبات ولا استقرار
الجدير بالذكر أن أعداد الخريجين الجدد في مجال التربية والتعليم تراجعت في السنوات الأخيرة، وقد لا يختار الشباب المجال إلا إذا لم تتوافر لهم فرص في مجالات أخرى، لأنه لم يعد في هذه المهنة أي ثبات واستقرار. وبحسب مديرة كلية التربية في جامعة القديس يوسف في بيروت ديان حجار التعليم من أهم المهن عبر التاريخ، لكنه اليوم يعاني أزمة حقيقية، فواقع المعلم يشبه واقع البلاد التي ترزح تحت وطأة الأزمات، والمعاناة التي يعيشها كل معلم في كل القطاعات "الخاصة والعامة" واحدة، المتمثلة بتدني قيمة الأجور. ولهذا السبب وغيره وجه منسق "حراك المعلمين المتعاقدين" حمزة منصور، رسالة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، تمنى "أن تصل إلى مكتبه ليسمع ويرى أوجاع ومظالم المعلمين المتعاقدين، الذين لم يقبضوا أجر ساعة واحدة حتى اليوم، والذين لم يرفع أجر ساعتهم الى الآن، بسبب عدم إدراج قرار دفع بدل ساعاتهم ومرسوم رفع أجر الساعة على جدول أعمال مجلس الوزراء"، مضيفا "عدم الاعتراف بحقوق معلمين صابرين مظلومين سيدفع حتما هؤلاء الأبرار إلى الثورة على الظلم، لنيل الحقوق التي نصت عليها قوانين الإنسانية، وإلى الاضراب عن التعليم ووقف الامتحانات الرسمية، فلا امتحانات رسمية من دون حقوق المعلمين المتعاقدين".
الجدير بالذكر أن العالم يحتفل بيوم "المعلم العالمي" سنوياً بتاريخ 5 تشرين الأول منذ عام 1994، لإحياء ذكرى توقيع توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لعام 1966 بشأن أوضاع المدرسين، وتضع هذه التوصية مؤشرات مرجعية تتعلق بحقوق ومسؤوليات المعلمين، ومعايير إعدادهم الأولي وتدريبهم اللاحق، وحشدهم، وتوظيفهم، وظروف التعليم والتعلم، ويجري تنظيم اليوم العالمي للمعلمين بالتشارك مع منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة والاتحاد الدولي للمعلمين.
المعلم هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، الذي يبذل الغالي والنفيس من أجل بناء الأجيال القادمة، ناقلاً المعرفة والمهارات إلى الطلاب، ويساهم في تنمية قدراتهم ومهاراتهم وإعدادهم للمستقبل، لذا نرجو أن تعمل الحكومة الجديدة بكل ما هو مطلوب للحفاظ على هذا القطاع الحيوي، وعلى مهنة تعتبر من الأصعب ومن الأكثر أهمية لدورها في تنشئة الأجيال، وكونها حجر الأساس في المجتمعات الأكثر تطوراً.
يشار إلى أن الاحتفال بعيد المعلم في لبنان يوافق في 9 اذار من كل عام.
يتم قراءة الآن
-
سلام يخسر الكباش الاول مع عون : سعيد حاكما للمركزي رئيس الجمهورية يضع النقاط على الحروف قبل لقاء ماكرون ضمانات سعودية لتنفيذ التفاهمات الامنية بين لبنان وسوريا
-
أوراقنا المحترقة في وجه "إسرائيل"
-
ما يُرسم ويُخطط لوجود النازحين في لبنان له علاقة بالوضع الديموغرافي كما في التوظيف السياسي والأمني
-
هل عادت الكلمة للشارع... من طريق المطار الى ساحة الشهداء الحريري يكسب الرهان الشعبي... والحزب "يهز العصا"
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:01
رويترز عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب: سأفرض قريبا رسوما جمركية على قطاع الأدوية، وسأكون مستعدا لإبرام صفقات بشأن الرسوم الجمركية.
-
22:36
وسائل إعلام تابعة للحوثيين: 66 غارة استهدفت صنعاء ومحافظات يمنية منذ فجر اليوم.
-
22:36
تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتيا عاما في سوريا.
-
22:33
وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين وغربيين: عملية الجيش اللبناني بطيئة بسبب حجم ترسانة حزب الله، وجيش لبنان أزال منصات صواريخ وأسلحة لحزب الله جنوب الليطاني.
-
22:32
وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين وغربيين: مسؤولون بإدارة ترامب محبطون لبطء تنفيذ اتفاق انتشار الجيش اللبناني جنوبا.
-
22:31
الرئيس جوزاف عون عاد والوفد المرافق إلى بيروت قادماً من باريس حيث أجرى محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
