اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تدرس حكومة الرئيس نوّاف سلام آلية تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية الواردة في البيان الوزاري، على أن تقوم كلّ وزارة بمعالجة الملف المتعلّق بها، لكي تسير الملفات العالقة معاً في اتجاه "الإنقاذ والإصلاح". ولكن يبدو أنّ مسألة إعادة إعمار الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، ستكون ورقة ضغط بيد الولايات المتحدة الأميركية، التي تودّ أولاً تأمين أمن "إسرائيل" والدول المانحة، رغم أنّ فرنسا هي غالباً ما تتولّى الدعوة وترؤس أي مؤتمر دولي لدعم لبنان. فثمّة تحديات ستُواجه الحكومة الى جانب مسألة تمويل إعادة الإعمار، التي تصل كلفتها الأولية التقديرية الى عشرات مليارات الدولارات، وإلّا فسيكون عليها تأمين بعض المبالغ من خزينتها للشروع في هذه العملية.

تتساءل مصادر سياسية مطّلعة عمّن سيؤمّن أمن الجنوبيين بعد إعادة الإعمار، في حال طبّقت الحكومة ما يجب عليها تطبيقه لجهة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 1701 والقرارات ذات الصلة؟ فالتحدّي الأول قبل تأمين تمويل إعادة الإعمار من قبل الدول المانحة والبنك الدولي والمؤسسات الدولية، سيكون "إرغام إسرائيل" على الإلتزام بوقف النار وبتطبيق الإنسحاب الكامل من القرى الحدودية الأمامية، ومن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تطبيقاً للقرار 1701، وإلّا فإنّ إعمار الجنوب سيكون مهدّداً بالتدمير مرّة أخرى على يدّ العدو "الإسرائيلي"، الذي يُقيم اليوم شريطاً عسكرياً حدودياً في الجنوب، وينوي البقاء فيه "الى أجلٍ غير مسمّى"، على ما قال وزير دفاع العدو يسرائيل كاتس.

فاستمرار الإحتلال "الإسرائيلي" يُمثل تحدياً كبيراً للبنان في بسط السلطة على المناطق والمواقع المحتلّة واستعادة سيادته عليها من جهة، ما يعيق لبنان عن القيام بالتزاماته كاملة، على ما أضافت المصادر، سيما أنّه بند أساسي في الاتفاقات المذكورة سابقاً. كما أنّ التوتّرات العسكرية المستمرّة على الحدود الجنوبية من جهة ثانية، والتي لا تتعرّض لأي إنتقادات من لجنة المراقبة المشرفة على تطبيق إتفاق وقف النار، تُشكّل خطراً على الإستقرار الداخلي، الأمر الذي يجعل أي تصعيد عسكري يُمكن أن يُعطّل عملية إعادة الإعمار، ويؤثّر في الأمن الداخلي معاً.

أمّا المنطقة العازلة التي تنوي "إسرائيل" إقامتها عند الحدود الجنوبية من تلقاء نفسها وعلى هواها، ما يُخالف القرار 1701، على ما ذكرت المصادر، فتشير الى محاولة العدو الحدّ من تأثير المقاومة في المنطقة، والى عرقلة سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي الى زعزعة استقرار المنطقة وخلق توتّرات إضافية، تقول الولايات المتحدة الأميركية إنّها لا تريدها، بل تسعى الى إحلال السلام فيها. كذلك فإنّ عودة الشركات النفطية للإستثمار في البلوكات البحرية الجنوبية قد تتعثّر، في حال بقي الوضع الأمني على الحدود متأرجحاً.

من هنا، فإنّه قبل ذهاب الحكومة اللبنانية الى أي مؤتمر دولي لدعم إعادة إعمار المناطق التي دمّرتها "إسرائيل" في لبنان مالياً، على ما تؤكّد المصادر، عليها الحصول على "ضمانات" تقضي بالإنسحاب الكامل للعدو من جنوب لبنان، وفق ما تنص عليه الإتفاقات والقرارات الدولية، وقد حصل رئيس الجمهورية جوزاف عون خلال زيارته الأخيرة الى السعودية على دعمها في هذا الأمر. وفي ما يتعلّق بإعادة الإعمار، فقد أظهرت عملية مسح الأضرار التي استثنت الأماكن والمناطق التي لا يزال الجيش "الإسرائيلي" يحتلّها، دماراً كليّاً لنحو 50 ألف وحدة سكنية وتجارية، من بينها 9000 وحدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، و6000 في البقاع، و5500 شمال الليطاني، و25 ألف وحدة جنوب الليطاني، فضلاً عن 317 ألف وحدة تضرّرت بشكل جزئي أو بسيط.

ويُمكن القول بأنّ الشقق التي يُمكن إصلاحها قد أنهى اصحابها ترميمها على الصعيد الشخصي، وفق المعلومات، أو من خلال المبالغ المالية التي قدّمتها جمعية الإمداد التابعة لحزب الله لهم، في حين دفعت بدلات إيجار لمدة سنة كحلّ مؤقّت لمشكلة الوحدات المدمّرة كلياً. غير أنّ هذه التعويضات لن تؤدّي الى إعادة الإعمار بشكلٍ كامل، على ما تشرح المصادر، إنّما هي تُعطي الدولة اللبنانية فترة سنة للحصول على التمويل، للبدء بوضع الخطط الشاملة للمناطق المدمّرة، وإعادة بناء المنازل التي سُوّيت بالأرض، والقيام كذلك بعملية الترميم للشقق المتضرّرة جزئياً. علماً بأنّ هناك مباني عديدة في الضاحية، يصل عددها الى نحو 400 مبنى، تحتاج الى سنوات عدّة لإعادة تشييدها. كذلك فإنّ رفع الانقاض قد بدأ مباشرة بعد دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في بعض المناطق. وتولّت الدولة القيام برفع الردم بموجب مناقصات من قبل مجلس الجنوب في البقاع والجنوب، واتحاد بلديات الضاحية في بيروت، والهيئة العليا للإغاثة في بقية المناطق، وذلك قبل تسلّم حكومة سلام السلطة التنفيذية.

أمّا الآلية الجديدة التي ستتبع لإعادة الإعمار، التي تبلغ كلفتها الإجمالية بين 20 الى 40 مليار دولار بحسب التقديرات الأولية، فتعتمد على تشكيل "صندوق خاص" بإدارة البنك الدولي، على أن تتمّ تغذيته بالمساعدات والهبات المالية من قبل صندوق النقد الدولي والدول المانحة، ومن ضمنها الإتحاد الأوروبي والدول العربية، على ما تلفت المصادر، وذلك طبعاً بعد التوافق السياسي بين الحكومة اللبنانية وبين مجموعة "الخماسية" أقلّه، كونها الأكثر حماساً من بقية الدول لدعم لبنان وإعادة إعمار كلّ ما تهدم، كما للحفاظ على الأمن والإستقرار فيه. ولكن وفق بعض الشروط التي قد تعيق انطلاق هذه العملية، في حال لم تتمكّن الدول اللبنانية من تلبيتها.

ومن ضمن هذه الشروط، على ما عقّبت المصادر، والتي تتعلّق بتحسين الأرضية وتثبيت الأمن والإستقرار المالي والإقتصادي: تطبيق الإتفاقات والقرارات الدولية، والقيام بالإصلاحات الإقتصادية الشاملة (وقد بدأت حكومة سلام تعد بإقرار قانون معجّل في غضون أسبوع لإعادة النظر برسوم الموازنة العامّة للعام 2025 التي جرى التوافق على إقرارها، ومن ثمّ الانكباب على دراسة موازنة العام 2026، على أن تكون "إصلاحية"، على ما قيل بعد جلسة مجلس الوزراء الخميس)، وذلك بهدف تحسين الظروف المعيشية والحياتية للمواطنين، وصولاً الى تقليص النفود السياسي للطوائف الذي يقوم عليه النظام السياسي في لبنان، سيما أنّ الدول المانحة قد تضع شروطًا تتعلق بنقل السلطة إلى مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، وتقليل الهيمنة التي قد تمارسها بعض الأحزاب على القرارات السياسية والمناصب الرسمية.

الأكثر قراءة

سلام يخسر الكباش الاول مع عون : سعيد حاكما للمركزي رئيس الجمهورية يضع النقاط على الحروف قبل لقاء ماكرون ضمانات سعودية لتنفيذ التفاهمات الامنية بين لبنان وسوريا