اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


في مسرح الاقتصاد اللبناني، تتكرّر المشاهد ذاتها مع كل أزمة أو مناسبة، حيث تتحوّل الأسعار إلى كائن متوحّش ينفلت من عقاله، يركض بلا قيود في أروقة الأسواق، مُلقياً بثقله على كاهل المستهلك. وكأنّ دورة المال في لبنان أشبه برياحٍ موسمية، تهبّ متى شاءت مراكز النفوذ التجاري، فتهزّ ميزان العرض والطلب كما تهزّ العواصف أشجاراً هشّة لا جذور لها. في هذا المشهد، لا يُمثّل المستهلك سوى متفرّجٍ مسلوب الإرادة، تتقاذفه أمواج التبريرات التي يروّجها التجّار والمستوردون، تارة بذريعة تقلّبات الأسواق العالمية، وطوراً بحجّة أكلاف الاستيراد والشحن.

لكن خلف هذه العاصفة من الذرائع، تكمن حقائق أكثر تعقيداً، حيث يتشابك الاقتصاد مع السياسة في نسيج محبوك بعناية، تتداخل فيه خيوط الاحتكار وضعف الرقابة كعوامل رئيسية، تسهم في إشعال فتيل الأسعار. وبينما يُفترض أن يكون السوق الحرّ مساحةً للتنافس العادل، بات في الواقع حلبة تتحكّم بها حفنةٌ من اللاعبين، يرفعون الأسعار كما يشاؤون، مستفيدين من ثغرات قانونية تتيح لهم التملّص من أي قيود على أرباحهم المتعاظمة.

في ظل هذا الواقع الاقتصادي الملتهب، يتكرّر مشهد ارتفاع الأسعار في لبنان مع كل مناسبة أو أزمة، حيث يسارع التجّار والمستوردون إلى تقديم مبرّرات تُلقي بالمسؤولية على الدول المصدّرة أو بلد المنشأ. لكن وجهة نظر أخرى تكشف حقيقة الأمر من زاوية مختلفة، مستندة إلى القوانين والوقائع، التي تؤكّد وجود تجاوزات يتحمّل المستهلك كلفتها.

ورغم جهود وزارة الاقتصاد، لا سيما من خلال مديرية حماية المستهلك، لضبط هذه المخالفات، فإنّ تأثيرها في السوق يبقى محدوداً. وفي هذا السياق، يرى المدير العام للوزارة محمد أبو حيدر أنّ تعديل بعض القوانين أصبح ضرورياً لحماية المواطن، بينما يعتبر رئيس جمعية المستهلك زهير برّو، أنّ المشكلة أعمق وأكثر تعقيداً.

تحرر الأسعار "غريب عجيب"!

بناء على هذا الوضع الفاقد للانضباط، لم يتبدّل نهج الاستغلال التجاري في شهر رمضان والصوم الكبير لدى المسلمين والمسيحيين، إذ يبقى رفع الأسعار ظاهرة متجددة. وعلى الرغم من أنّ الطمع لا دين له، فإنه يجد غطاءً قانونياً تحت شعار "السوق الحر"، حيث يُستخدم هذا المبدأ لتبرير مضاعفة الأسعار وفقاً لقانون العرض والطلب. ومع ارتفاع الاستهلاك خلال هذه الفترات، يرى التجّار أنّ رفع الأسعار خطوة مبرّرة وفق هذه المعادلة. وفي محاولة لامتصاص الانتقادات، يعمد بعضهم إلى إصدار بيانات تدّعي أنّ الأسعار ارتفعت في الدول المورّدة، وكأنّ ذلك يبرّر بدوره الزيادة المحلية.

التشريعات تحتاج الى "نفضة"!

أما من الناحية القانونية، فغياب الضوابط واضح إذ لا يتضمن قانون المنافسة أو قانون حماية المستهلك أي آلية لتثبيت الأسعار، بل على العكس حيث تنصّ المادة 4 من قانون المنافسة رقم 281/2022 ، على أنّ الأسعار تُحدد وفق قواعد السوق الحر، باستثناء الحالات التي يقرر فيها مجلس الوزراء التدخل مؤقتاً لمواجهة ظروف استثنائية، على أن يُعاد النظر في هذه التدابير خلال ستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة. كما أن المادة 7 من القانون نفسه تمنع أي تلاعب مفتعل بالأسعار أو بشروط البيع. ومع ذلك، يبقى المشتري الحلقة الأضعف في ظل غياب الرقابة الفاعلة، واستمرار انتهاز التجّار للواقع الاقتصادي المزري.

في ضوء هذه المعطيات، أكد نقيب أصحاب "السوبرماركات" مرارا لـ "الديار"، أنّ "المتاجر المنتسبة إلى النقابة تلتزم بالأسعار المحدّدة ولا تلجأ إلى رفعها. غير أنّ هذا الادعاء يبدو بعيداً عن الواقع، إذ كشفت جولة ميدانية أجرتها "الديار" على عدد من "السوبرماركات" الكبرى في مناطق مختلفة مثل "سبينس" و"شاركوتيه عون" و"فهد"، وهي بالتأكيد مسجّلة ضمن النقابة، أنّ الأسعار شهدت ارتفاعاً جنونياً خلال شهر الصوم لدى المسيحيين ورمضان المبارك لدى المسلمين.

لمحة مفصلة بالأرقام!

في ما يخص الأسعار، فقد سجّل سعر الموز في "سبينس" 90 ألف ليرة، والبطاطا 50 ألفاً، بينما بلغ سعر كيلو الباذنجان 165 ألفاً، والبندورة 85 ألفاً، فيما بيع رأس الخس وكيلو الخيار بـ 145 ألف ليرة، وأيضا حزمة البصل الاخضر بـ 99 ألفاً. أمّا في "شاركوتييه عون"، فقد بلغ سعر الحامض 80 ألف ليرة، في حين يباع في محل ملاصق بـ 40، والبندورة بـ 120 ألفاً، والخيار بـ 140 ألفاً، والخس بـ 150 ألفاً، بينما سُعّرت البطاطا بـ 90 ألف ليرة.

وفي "فهد"، وصلت الأسعار إلى مستويات أعلى، حيث بلغ سعر رأس الخس 175 ألف ليرة، وكيلو البندورة 150 ألفاً، بينما بيعت حزمة البصل الأخضر بـ 55 ألف ليرة.

بالموازاة، عاينت "الديار" الأسعار في أحد المحلات العادية غير المنتسبة الى النقابة، فجاءت على النحو الاتي: الخس بـ 90 الفا، البندورة ب 50 الفا، البطاطا بـ 40، والحامض بـ 40 ألف ليرة لبنانية، باقة الكزبرة او الأربع باقات بـ 100 ألف ليرة، والباقة تباع بـ 25، وهو على عكس سعرها الهستيري في "سبينس"، حيث وصل سعر الحزمة الواحدة الى 49999 ل.ل. والامر يطبق أيضا على البصل الأخضر والبقدونس والنعناع والروكا والبقلة. كما ان اللحوم التي انخفضت أسعارها عالمياً بمعدّل 2 % منذ بداية العام الجاري، مقارنة مع أسعار العام الماضي، ارتفعت في لبنان مع بداية شهر رمضان، وفق تصريحات رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو.

الناس "قرفت"!

من جهة أخرى، تحدّثت "الديار" إلى مجموعة من النسوة كنّ يصلّين يوم الأحد في إحدى كنائس الأشرفية، حيث عبّرن عن استيائهن من الغلاء الفاحش الذي بات بلا حدود ولا سقف. وأكدن أن الأسعار ترتفع بشكل جنوني دون أي رقابة، ما يعظم الأعباء المعيشية على العائلات. وكشفت إحداهن لـ "الديار" عن خدعة تسويقية لجأ إليها أحد التجار، حيث عرض في متجره تخفيضات على أكياس البطاطا المغلّفة بالكامل، زاعماً أنها بسعر أقل من البيع بالكيلو. إلا أنها، وبعد احتساب الوزن الفعلي ومقارنته بالسعر، أدركت أنها تعرضت لعملية غش، إذ لم يكن هناك أي تخفيض، بل دفعَت السعر نفسه الذي يبيعه بالكيلو، ما يعكس استغلال التجار لحاجة المواطنين تحت غطاء العروض الوهمية.

ولا تقتصر هذه الحيلة على متجر واحد، بل تمتد لتشمل سلسلة من عمليات الغش التي تتفشى بلا رادع، مستفيدة من غياب الرقابة الفعالة وضعف الإجراءات الرادعة. فالتلاعب بالأسعار، والعروض الوهمية، واستغلال حاجة المواطنين، أضحت مشاهد يومية في الأسواق، بينما الجهات المعنية تقف عاجزة عن كبح هذه التجاوزات.

اول الغيث لا يبشّر بالخير!

في جميع الأحوال، تكمن المفارقة في أن هذا الفلتان يحدث في وقت يفترض أن تكون فيه الحكومة الراهنة في ذروة تحركاتها، إذ جاءت تحت شعار "الإصلاح والإنقاذ"، مع التعهّد بفتح صفحة جديدة من المحاسبة والشفافية. كان الأجدر بها أن تبدأ من هذا الشهر تحديداً، شهر رمضان المبارك والصوم الكبير، حيث يظهر الفاسدون على حقيقتهم أمام الناس، لكن لم نلمس أي تحركات جادة. بل على العكس، يستمر الجشع بلا حسيب، والأسعار تحلّق، فيما وعود الإصلاح تبقى مجرد شعارات رنانة لم تترجم بعد إلى أفعال ملموسة.

العقوبات على المخالفين لا تُطبّق

في الخلاصة، يشهد لبنان زيادة غير عادية في الأسعار، خاصةً خلال فترة الصيام التي تجمع كل الطوائف، حيث استغل التجار حاجة الناس فرفعوا الأسعار بشكل هستيري وغير مبرر. وعلى الرغم من تصريحات المسؤولين في وزارة الاقتصاد ونقابة أصحاب "السوبرماركات" وجمعية حماية المستهلك بشأن هذا الغلاء، إلا أن العقوبات على المخالفين لا تُطبق، ما يفاقم الأزمة.

من المهم ان نذكر ان الحكومة السابقة قد أصدرت في مثل هذا التوقيت العام المنصرم، لوائح بأسعار اللحوم والخضراوات لمساعدة المواطنين في معرفة الأسعار الحقيقية، بعكس الحكومة الحالية التي لم تتخذ أي خطوات جدية لكبح هذا الاستغلال. لذلك، وثقت "الديار" الارتفاعات بالصور، لكشف الحقيقة بعيداً عن الكلام المجرد، اذ إن آلاف العائلات باتت عاجزة عن تأمين مكونات أساسية مثل صحن الفتوش. تجدر الإشارة الى أن معظم أنواع الخضر الموجودة في الاسواق حاليا تُزرع محليا، ما يطرح تساؤلات حول مبررات هذا الغلاء.

المفارقة هي أنّ حتى الدكاكين الصغيرة غير المنتسبة إلى النقابة، لم تكن بمنأى عن موجة الغلاء، لكنها على الرغم من ارتفاع أسعارها، ظلّت أقل نسبياً ممّا سجلته "السوبرماركات"، ما يثير الاستفسارات حول حقيقة التزام تلك المتاجر الكبرى بسياسات تسعير عادلة، ومدى مصداقية تصريحات النقابة في ظلّ هذا الواقع المتفلت. الفارق البارز يكمن في أسعار العربات المنتشرة على جوانب الطرقات، التي اتضح انها اقل بكثير من أسعار الدكاكين و"السوبرماركات".

الأكثر قراءة

سلام يخسر الكباش الاول مع عون : سعيد حاكما للمركزي رئيس الجمهورية يضع النقاط على الحروف قبل لقاء ماكرون ضمانات سعودية لتنفيذ التفاهمات الامنية بين لبنان وسوريا