اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


يُعد الجهاز الهضمي موطنًا لتريليونات الكائنات الحية الدقيقة، بما في ذلك البكتيريا، التي تلعب دورًا حيويًا في عملية الهضم وامتصاص العناصر الغذائية ووظيفة المناعة. ومع ذلك، فإن التوازن الدقيق في أعداد وأنواع هذه البكتيريا أمر بالغ الأهمية للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي. يحدث فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة (SIBO) عندما تتكاثر أعداد كبيرة بشكل غير طبيعي من البكتيريا، خاصة تلك التي توجد عادة في الأمعاء الغليظة، في الأمعاء الدقيقة. هذه الزيادة المفرطة في البكتيريا يمكن أن تؤدي إلى مجموعة واسعة من الأعراض الهضمية وغير الهضمية، مما يؤثر بشكل كبير على جودة حياة الأفراد المصابين.

تتعدد الآليات التي تساهم في تطور فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة. أحد العوامل الرئيسية هو ضعف حركة الأمعاء الدقيقة، أو ما يُعرف باسم "الهجرة الحركية المعقدة" (MMC). هذه الحركة المنتظمة للعضلات تساعد على دفع الطعام والبكتيريا من الأمعاء الدقيقة إلى الأمعاء الغليظة. عندما تتعطل هذه العملية، يمكن للبكتيريا أن تتراكم وتتكاثر في الأمعاء الدقيقة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي التشوهات الهيكلية في الجهاز الهضمي، مثل الرتج أو الالتصاقات الناتجة عن الجراحة، دورًا في خلق بيئات راكدة تسمح بنمو البكتيريا المفرط. كما أن انخفاض حموضة المعدة، سواء بسبب استخدام مثبطات مضخة البروتون أو حالات طبية أخرى، يمكن أن يقلل من قدرة المعدة على قتل البكتيريا المبتلعة، مما يزيد من خطر وصولها إلى الأمعاء الدقيقة بأعداد كبيرة. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي ضعف وظيفة المناعة الموضعية في الأمعاء إلى عدم قدرة الجسم على التحكم في تكاثر البكتيريا.

تتنوع أعراض فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة بشكل كبير وتعتمد على نوع وكمية البكتيريا الزائدة ومدى تأثيرها في وظيفة الأمعاء الدقيقة. تشمل الأعراض الهضمية الشائعة الانتفاخ المفرط، والغازات، وآلام البطن، والإسهال أو الإمساك، أو تناوب الاثنين. قد يعاني بعض الأفراد أيضًا من التجشؤ المتكرر وحرقة المعدة، نظرًا الى أن البكتيريا الزائدة تتنافس مع الجسم على امتصاص العناصر الغذائية وتنتج منتجات ثانوية يمكن أن تتداخل مع عملية الامتصاص، فقد يعاني المرضى من نقص في الفيتامينات والمعادن الأساسية، مثل فيتامين ب12 والفيتامينات التي تذوب في الدهون (A، D، E، K).

 يمكن أن يؤدي سوء الامتصاص هذا إلى أعراض أخرى مثل التعب المزمن، وفقدان الوزن غير المبرر، وحتى أعراض عصبية في حالات نقص فيتامين ب12 الشديد. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي فرط النمو البكتيري إلى زيادة نفاذية الأمعاء ("الأمعاء المتسربة")، مما يسمح بدخول جزيئات أكبر إلى مجرى الدم ويحتمل أن يساهم في حدوث التهابات مزمنة وأعراض خارج الجهاز الهضمي مثل آلام المفاصل والطفح الجلدي وحتى مشاكل في المزاج.

على الرغم من أن فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة يمكن أن يصيب أي شخص، إلا أن هناك فئات معينة من الأشخاص يعتبرون أكثر عرضة للإصابة به. الأفراد الذين يعانون من حالات طبية تؤثر في حركة الأمعاء الدقيقة هم في مقدمة هذه الفئات. تشمل هذه الحالات مرض السكري (خاصة مع تلف الأعصاب)، والتصلب الجلدي، وبعض اضطرابات العضلات والأعصاب التي تؤثر على الجهاز الهضمي. كما أن الأشخاص الذين خضعوا لعمليات جراحية في البطن، وخاصة تلك التي تتضمن إنشاء حلقات معوية مغلقة أو تغيير مسار الأمعاء، يكونون أكثر عرضة لتطور SIBO بسبب احتمال حدوث ركود في محتويات الأمعاء. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأفراد الذين يعانون من انخفاض في حموضة المعدة، سواء بسبب الاستخدام المزمن لمثبطات مضخة البروتون أو بسبب استئصال جزء من المعدة، يواجهون خطرًا متزايدًا.

تلعب بعض الحالات الطبية الأخرى أيضًا دورًا في زيادة خطر الإصابة بفرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة. تشمل هذه الحالات مرض كرون، ومتلازمة القولون العصبي (IBS)، حيث يُعتقد أن SIBO هو عامل مساهم في بعض الحالات الفرعية، ومرض الاضطرابات الهضمية غير المعالج، وقصور البنكرياس الخارجي. علاوة على ذلك، قد يكون كبار السن أكثر عرضة للإصابة بـ SIBO بسبب التغيرات المرتبطة بالعمر في وظيفة الجهاز الهضمي وحركة الأمعاء. أخيرًا، تشير بعض الدراسات إلى أن استخدام المضادات الحيوية المتكرر يمكن أن يعطل التوازن الطبيعي للبكتيريا في الأمعاء ويزيد من خطر فرط النمو البكتيري، على الرغم من أن المضادات الحيوية تستخدم أيضًا كعلاج لـ SIBO.

الأكثر قراءة

العهد يصطدم بالضغوط الأميركية المعرقلة للتفاهم الداخلي لبنان امام مأزق تاريخي: اما نزع سلاح المقاومة او الحرب