"شو عملتلك أنا يا وطن"؟ عبارة تختصر صرخة جيل بكامله، لكنها خرجت من حنجرة زياد الرحباني، ابن لبنان العالق بين جمالية الإبداع وبشاعة الواقع. لكن، دعونا نطرح سؤالا فلسفيا شائكا: ماذا لو خلق زياد الرحباني في بلد آخر؟ هل كان سيغني الثورة أم يعيش رفاهية الاعتزال؟ هل كان سيكتب السخرية أم يغرق في الرتابة والبرودة؟ هل كان سيبدع أكثر أم يذوب في ثقافة الآخر؟ هل كان ليكون ذا مردود عال ام سيكون على حالته المادية؟
هنا اسأل هل عبقرية زياد مشروطة بالزمان والمكان؟ ام بسياسة الدولة واهتماماتها الأدبية والفنية والثقافية؟ هل إنتاجه الفكري مرتبط ارتباطا عضويا بتربيته في بيت العمالقة؟ أم أن انتماءه إلى هذه العائلة كان سببا لما وصلت إليه شخصيته المركبة فكانت خليطا من العبقرية والحزن والوحدة والألم والفراق والخيبة والزهد والطلاق...
زياد ابن بيئة ملتهبة، مسرحه الأول كان الحرب، وجمهوره الأول كان شعبا يتنقل بين الملاجئ والأمل. لبنان لم يكن فقط أرضا للولادة، بل مختبرا للغضب والفوضى والجمال والموسيقى. لو خلق زياد في بلد مستقر سياسيا واجتماعيا، هل كانت موسيقاه ستلامس هذا العمق، أم كانت ستختصر بنغمات أنيقة لا تحمل وزن الألم؟ لو لم يكن زياد هنا في هذا الأتون هل كان لينتج هذه التحف الموسيقية الغريبة في بعض الأحيان أم كانت لتكون مثل هذا البلد هبة سخنة هبة باردة؟!!!
بلد مثل السويد أو كندا أو المانيا ربما كان سيقدم له أدوات أكاديمية ومؤسسات دعم ثقافي ومادي، لكنه في المقابل كان سيحرمه من المادة الخام: المأساة اللبنانية "وقرطة الشعب المجموعين" التي فجرت الإبداع لديه. ربما كانت لتقدم له الاحتضان لموهبته الاستثنائية بدلا من اللامبالاة والتهميش...
هل كان سيسمح له بأن يكون زياد الرحباني الذي نعرفه على بساطة تعابيره وعمقها في آن معا وامتدادها عبر الزمن وعبورها للحدود ؟ بالتأكيد، في بلدان كثيرة، صوت زياد ربما كان سيكتم، لا لأنه معارض، بل لأنه فوضوي يرفض التصنيف، يهاجم الجميع، يسخر من الأيديولوجيات، ولا يحب أن يكون ضمن قطيع. في أنظمة أكثر انغلاقا أو أكثر تقديسا للسلطة، لكان مكان زياد إما السجن أو الصمت. أما في أنظمة أكثر انضباطا وربما قمعا، كان سيجبر على فنه تحت شروط هذه الانظمة، وتحويله إلى منتج ثقافي ناعم ضمن شروطها وايديولوجيتها.
لبنان، رغم كل الفوضى، منح زياد هامش الحرية والحرية هنا لا تعني القوانين، بل الفوضى ذاتها. فوضى تسمح لفنان بأن يهاجم الجميع دون أن يلغى أو يقمع أو يغتال... ولكن هذه الفوضى كانت السبب لما وصل إليه فكانت هي حياة زياد، ليله كان نهارا ونهاره كان ليلا، فكره السياسي اليساري كان حادا جدا فأخذه إلى أماكن هو لم يكن يريدها. التزامه بالجماهير جعل منه نجما شعبيا ولكن سلبه الدفء العائلي لطالما بحث عنه منذ الصغر. فتتالت الخيبات من المدرسة إلى البيت والعائلة والزوجات والابن المفترض لتختم مآسيه بانهيار بلد كان يدركه منذ شبابه...
جزء كبير من عبقرية زياد يكمن في لغتة اللبنانية البسيطة، القاسية، الساخرة، التي لا تصلح للترجمة. زياد لو خلق في بلد يتحدث الإنكليزية مثلا، ربما كان سيكتب نصوصا أدبية اكثر مهذبة ضمن الأصول ويؤلف موسيقى كلاسيكية مألوفة عند الناس، لكنه كان عكس كل هذه النمطيات والمعلبات، كان هو اللبناني الذي "يفرد"، ابن النكتة السريعة المبطنة بالف من المعاني. وبدك مين يفهم عليه...
رغم كل هذا، هناك سؤال آخر. ماذا لو كان زياد عبقريا خارج الزمان والمكان؟ لكانت روحه، أينما وجدت، ستبحث عن التمرد، والموسيقى، والسخرية، والحب المستحيل؟ هل كان سيكتب شيئا يشبه نزل السرور أو سهرية وقهوة نخلة التنين...؟
لكن الأكيد أن زياد ابن هذه الأرض، بحروبها، بانقسامها، بشوارعها الضيقة، وبذكريات المذياع وعبق القهوة. هو نتيجة خلطة لبنانية مستحيلة التكرار، مثل منقوشة الزعتر على سطح بيروتي في صباح صيفي.
لو خلق زياد الرحباني في بلد آخر، لخسرنا نحن زياد. قد يكون ربح حياة أهدأ، أو شهرة أوسع، أو تقديرا أكاديميا، لكننا كنا سنخسر صوتا يقول لنا الحقيقة على المسرح، ويضحكنا بمرارة، ويبكينا بموسيقى من وجداننا.
لحسن حظنا، خلق زياد حيث كان يجب أن يخلق، بين الحمرا وبكفيا بين مار الياس انطلياس وقهاوي لينين، بين عبقرية عاصي وجنونه وبين ذهب فيروز (وتنك) الوطن وبين الطوائف وضحاياها وبين نغمة بزق وطلقة رصاص وصرخة شعب.
يتم قراءة الآن
-
خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع
-
بالصور: ممثلة أفلام إباحية عالمية من أصول سورية..فمن هي؟
-
العائلات اللبنانيّة... رحلة في جذور التاريخ (آل الخازن) 1 الخازنيّون عرب غسّانيّون حكموا كسروان بعد عودة فخر الدين من توسكانا من مُراسلات الأمير الى سفير فرنسا : كأنهم إخوتي من لحمي ودمي ومن أبناء مذهبي
-
ميا خليفة تكشف عن حجم ثروتها
الأكثر قراءة
-
العائلات اللبنانيّة... رحلة في جذور التاريخ (آل الخازن) 1 الخازنيّون عرب غسّانيّون حكموا كسروان بعد عودة فخر الدين من توسكانا من مُراسلات الأمير الى سفير فرنسا : كأنهم إخوتي من لحمي ودمي ومن أبناء مذهبي
-
التصعيد الأميركي ــ الإيراني سيّد الموقف المبادرة الفرنسيّة- الألمانية تصطدم بـ «الشروط الإسرائيليّة»!
-
ملف العائلات اللبنانية.. رحلة في جذور التاريخ ـ عائلات زحلة (ابو خاطر)(1) زحلة سباقة في المناداة بالحرية والعروبة الحقة والعلمنة والحكم الجمهوري وابناء عائلاتها السبع سجلوا بطولات تاريخية ومشهود لهم بالانفتاح
عاجل 24/7
-
00:06
ترقبوا نصف نهائي كأس العالم بين فرنسا وأسبانيا الثلاثاء الساعة العاشرة مساء بتوقيت بيروت
-
00:03
تفجير كبير في كونين
-
23:59
"إيه بي سي" عن رسالة ترامب إلى الكونغرس: الضربات على إيران ستكون محدودة ومدروسة ومخططاً لها وسننفذها بأسلوب يهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين
-
23:58
التلفزيون الإيراني نقلا عن الجيش: استهداف سفينة أميركية "معادية" بصواريخ كروز
-
23:53
الجيش الإيراني: استهدفنا أنظمة اتصالات وخزانات وقود ومنظومة باتريوت وبرج مراقبة ومستودع ذخيرة للجيش الأميركي في الكويت
-
23:43
الحرس الثوري الإيراني: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة أميركية من طراز إم كيو 1 في مضيق هرمز
