اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من قصر بعبدا، حمل الموفد الأميركي توم باراك إلى اللبنانيين مجموعة رسائل متشابكة، بدا فيها التوازن بين الترغيب والترهيب حاضراً. ففي ما خصّ التمديد لقوات "اليونيفيل"، أعلن باراك بلهجة مطمئنة أن واشنطن ستوافق على التمديد لعام إضافي، مشيراً إلى إشارات إيجابية من تل أبيب لعدم نية الاحتلال الإسرائيلي الاستقرار داخل لبنان. هذا الطرح بدا بمثابة "جزرة" سياسية لإعطاء الانطباع بأن هناك نافذة أمل لحلحلة بعض الملفات إذا تجاوبت بيروت مع المطالب الأميركية.

لكن خلف هذه الإشارات، وضع باراك سقفاً واضحاً: انتظار خطة الحكومة والجيش في 31 آب بشأن كيفية التعامل مع سلاح حزب الله. فربط أي تقدم ميداني أو انسحاب إسرائيلي من النقاط الخمس بما ستقدمه الحكومة اللبنانية، وهو شرط يفرغ "الإيجابية" المعلنة من مضمونها، ليحوّلها إلى ضغط مؤسساتي مباشر على الدولة اللبنانية.

أورتاغوس بدورها صاغت الموقف الأميركي بعبارة "إسرائيل مستعدة للتحرك خطوة خطوة مع قرارات الحكومة اللبنانية"، وهي صياغة توحي بالتدرّج وبناء الثقة، لكنها في الوقت نفسه تعكس منطق "المشروطية": أي أن كل خطوة إسرائيلية مرهونة أولاً بخطوات لبنانية تتعلق بملف السلاح.

أمّا السيناتور ليندسي غراهام فكان الأكثر مباشرة وصدامية في خطابه. إذ اعتبر أن حزب الله "ليس وفياً للشعب اللبناني ويعمل لأجندة خارجية"، مضيفاً أن إسرائيل لن تغيّر نظرتها إلى لبنان إلا إذا غيّر لبنان سلوكه عبر نزع سلاح الحزب. غراهام لم يكتفِ بذلك، بل مضى أبعد في التهديد الضمني، حين قال إن الانسحاب الإسرائيلي مرتبط مباشرة بنزع السلاح، وأنه "إذا لم يتم ذلك فلا تقدم في أي مكان، والسعودية لن تأتي للمساعدة". الأخطر في كلامه أنه نسب فكرة نزع سلاح الحزب إلى "الشعب اللبناني"، في محاولة لإضفاء شرعية داخلية على مطلب خارجي.

تحليل اللهجة الأميركية

1. لهجة باراك: ظاهرها إيجابي وصديق، لكنها مشروطة، وبالتالي أقرب إلى دبلوماسية الضغط الناعم. ليست تهديدية بشكل فج، لكنها تستبطن فوقية استعلائية من خلال ربط السيادة اللبنانية بمدى التزامها بالخطط الأميركية.

2. لهجة أورطاغوس: متوازنة بين الترغيب والاشتراط. يمكن وصفها بأنها "وسطية"، فهي لا تحمل لغة تهديد صريح لكنها تقرر إطاراً مشروطاً لأي تحرك إسرائيلي.

3. لهجة غراهام: مباشرة وصدامية، أقرب إلى التهديد السياسي. حملت فوقية واضحة من خلال تخوين الحزب، التحدث باسم الشعب اللبناني، والتلميح بأن لا مساعدة خارجية ستأتي للبنان إذا لم ينفذ لبنان المطالب الأميركية.

وبالتالي فإن المشهد العام يتراوح بين الترغيب الحذر والتهديد المقنّع، ما يعكس النهج الأميركي التقليدي في لبنان: فرض الشروط ضمن قالب يبدو أحياناً دبلوماسياً، لكنه في الجوهر يمسّ بالسيادة ويدير الحوار من موقع فوقي.

الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»