في ظل التحولات العاصفة التي تشهدها بلادنا ويشهدها العالم العربي منذ قرون والتي زادت حماوتها مطلع القرن الحادي والعشرين، تزداد الحاجة إلى دراسات فكرية تضع الأحداث في إطارها العميق، وتكشف عن دور "الخرافة المقدسة" وبالتالي عن البُنى الدينية- الأيديولوجية في صناعة وتحريك سياسات القوى الكبرى في منطقتنا الملتهبة.
وفي هذا السياق، يقدّم كتاب "نقد الفكر الديني في التوراة والإنجيل ونشوء الصهيونية المسيحية" للباحث شحادة الغاوي قراءة نقدية جريئة للنصوص الدينية، "المقدسة"، وكيف تم إستعمال صفة القداسة فيها لمنع أي نقاش حولها وأي تشكيك في صحتها تمهيداً لتوظيفها للاستخدام السياسي، ويكشف كيف تحوّل الدين – عبر قراءات مؤدلجة – إلى أداة لإدارة الصراعات وتأجيجها وإعادة تشكيل الخرائط السياسية.
يساعد الكتاب في فهم تعقيدات المشهد العربي الراهن، وما يحيط به من أزمات ممتدة منذ عقود، من خلال تشريح البنية الفكرية- الدينية التي تغذي مشاريع الهيمنة والسيطرة الأجنبية في بلادنا. ويقدّم شريطاً وثائقيًا لفهم كيف تتحول النصوص الدينية وقداستها، عبر قراءات مؤدلجة، إلى أدوات سياسية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والثقافية للشرق الأوسط كله.
رواية لاهوتية تشرعن التوسع الاستيطاني
ينطلق المؤلف من تحليل نقدي للنصوص الدينية في ما سٌمّيَ العهدين القديم والجديد، مبرزًا كيف وظفتها الصهيونية المسيحية لبناء رواية لاهوتية تشرعن التوسع الاستيطاني، وتعيد إنتاج أسطورة "الأرض الموعودة" في خطاب سياسي معاصر. ويعتمد الغاوي على رصد تاريخي ومنهجي لمراحل تطور الفكر السياسي الغربي، المتأثّر بالتأويلات الدينية الخرافية والمبني عليها، تجاه فلسطين وسورية كلها. وذلك بإعتماد منهج علمي صارم وموثقً بالنصوص والمراجع ومصادرها، وتقديم عرض منهجي متسلسل لكيفية نشوء المسيحية الصهيونية، والأحداث التي سبقتها ورافقتها ومن ثم نتجت عنها.
إبتداءّ من الفهرس والمقدمة يتّضح أن الكتاب يتحرك على ثلاثة محاور رئيسية:
1. النقد النصي واللاهوتي للدين: إزالة وشم الخرافة عن الدين وصفة القداسة عن الخرافات. تفكيك الرواية الدينية، وتحديداً في ما خصّ الشعب المختار والشعب الملعون، وأرض الميعاد ووصايا "الله" بقتل وإبادة سكانها الأصليين رجالاً وشيوخاً ونساء وأطفالاً مع بهائمهم ومواشيهم.
2. الجذور التاريخية للصهيونية المسيحية وكيف نشأت من الزواج القسري غير الشرعي بين المسيحية والتوراة. أي تقديس ما يسمّيه "الخرافة والجريمة والرذيلة"، أي تقديس ما هو غير مقدس ومحاولة المساواة بين إله الرحمة والمحبة ونبذ العداوة، الله رب العالمين المحب لجميع البشر، من جهة، وإلإله الخاص للشعب الخاص الآمر بالقتل والإبادة، من جهة أخرى.
3. التطبيقات السياسية: كيف تحولت النصوص الخرافية الى برامج عمل توجه السياسات الخارجية لأوروبا وأميركا.
من نقد الفكر الديني إلى تحليل الصراع
هنا تأتي أهمية القراءة التحليلية المستقلة للجذور الدينية العقائدية للمؤثرين السياسيين الرئيسيين في العالم، إذ تكشف مقولة هنري كيسنجر الشهيرة عن "إدارة الصراعات بدلًا من حلّها"، وكيف أن البنية الفكرية التي يُشرِّحها الكتاب لم تبقَ في حدود اللاهوت، بل تحولت إلى أداة لإعادة هندسة المنطقة.
- إسقاط نظام صدام حسين عام 2003 سوّق له الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن تحت مبررات دينية مقدسة وفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى على أسس طائفية وعرقية.
- وما بعدها: الثورات العربية، بما فيها من مطالب إصلاحية مشروعة، تحولت في بعض السياقات إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تداخل البعد الديني مع مشاريع التفتيت.
- صعود التطرف: الفراغات الأمنية والفكرية سمحت بظهور تيارات دينية متطرفة، وظفت بدورها سرديات "المقدس" لتبرير العنف.
- الوضع الراهن: تكريس حالة اللا–حل، بما يخدم مقاربة "إدارة الصراع" تحت سقف ما أصبح يُسمّى: الإبراهيمية، وهذه هي نظرية دينية وهمية يتم إستخدامها في السياسة.
أهمية الكتاب في السياق الراهن
تكمن قيمة هذا العمل في أمرين:
1. أدوات التحليل: يمنح القارئ منهجية لتفكيك الخطاب المؤدلج، عبر ربط النصوص بسياقاتها التاريخية والسياسية.
2. كشف البنية العميقة للصراع: يوضح كيف أن النزاعات الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التوظيف السياسي للدين في خدمة مشاريع الهيمنة والإحتلال والتهجير والإبادة.
اللوبي اليميني المسيحي المتحالف مع الصهيونية
منذ العقود الأخيرة، لعب اللوبي اليميني المسيحي المتحالف مع الصهيونية – المعروف بالصهيونية المسيحية – دورًا مؤثرًا في صياغة السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ليس باعتباره قوة ضغط سياسية فحسب، بل باعتباره تيارًا أيديولوجيًا يرى أن إعادة تشكيل المنطقة جزء من "خطة إلهية" تسبق تحقيق النبوءات التوراتية (الألفية السعيدة). هذا التيار يتبنى قناعة راسخة بأن أي نظام سياسي يعادي إسرائيل أو يحد من نفوذها يجب إضعافه أو إسقاطه، لأن إسرائيل هي مشيئة الله وموصى بها منه. وهو ما جعل من زعزعة ألأنظمة الوطنية في الشرق الأوسط كله هدفًا إستراتيجيًا طويل المدى.
وقد التقت هذه الرؤية مع مشروع المحافظين الجدد منذ تسعينيات القرن الماضي، لاسيما في إطار وثائق مثل "مشروع القرن الأمريكي الجديد"، التي دعت إلى إسقاط الأنظمة المعادية لإسرائيل، وتفكيك الجيوش العربية الكبرى، وإعادة رسم حدود المنطقة بما يخدم التفوق الإسرائيلي. ومن خلال أدوات التأثير المتنوعة – بدءًا من الضغط على الكونغرس والبيت الأبيض، ومرورًا بالتأثير الإعلامي الموجَّه عبر قنوات اليمين الأمريكي، وانتهاءً بالعمل المنسق مع منظمات ضغط كبرى مثل AIPAC وCUFI تمكن هذا التحالف من دفع الولايات المتحدة نحو سياسات تدخلية كبرى في دول العالم العربي، فضلًا عن الدفع نحو التطبيع العربي – الإسرائيلي عبر اتفاقيات أبراهام.
على مدى العقدين الأخيرين، شهدت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط حضورًا متزايدًا لرموز سياسية عليا تبنّت أجندة الصهيونية المسيحية، سواء من منطلق أيديولوجي– ديني أو كجزء من إستراتيجية المحافظين الجدد، من خلال الاعتماد على خطاب ديني– إنجيلي يعتبر أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحمل "رسالة إلهية" لنشر الديمقراطية وإسقاط الأنظمة المعادية لإسرائيل. وقد تركز دور هذه الرموز في إدارتين رئاسيتين على وجه الخصوص: إدارة جورج بوش الابن (2001–2009) وإدارة دونالد ترامب (2017-2021).
إن النتيجة النهائية لهذه السياسات تمثلت في إضعاف القوى الإقليمية القادرة على تهديد إسرائيل، وتفتيت بعض الدول العربية إلى كيانات أصغر يسهل التأثير عليها، ودمج إسرائيل كقوة مهيمنة سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة، مع تغليف كل ذلك بخطاب ديني–أيديولوجي يقدم هذه التحولات باعتبارها جزءًا من مسار تاريخي مقدر.
خاتمة
إن قراءة كتاب "نقد الفكر الديني في التوراة والإنجيل ونشوء الصهيونية المسيحية" لا تقتصر على الاطلاع على نقد لاهوتي أو تفكيك رواية دينية، بل تمتد لتصبح مدخلًا لفهم الاستراتيجيات الكبرى التي أعادت رسم خريطة البلدان العربية منذ 2003 وحتى اليوم. إنه دعوة لإعمال العقل في مواجهة خطاب "الخرافة المقدسة" و"المقدس المسلّح"، ورؤية المصالح من خلف ستار اللاهوت، حيث تتقاطع الأيديولوجيا مع براغماتية السياسة في إنتاج واقع سوري وعربي مأزوم، لكنه قابل للفهم والمراجعة إذا ما توافرت الإرادة المعرفية والسياسية.
وبعد، إن تركيز الكاتب على النقد القاسي والجريء لما سمّاه "الخطأ التاريخي الكبير" الذي ارتكبته الكنيسة منذ ألفي سنة عندما تبنّت التوراة وخرافاته وجرائمه ورذائله ككتاب مقدس، لم يمنعه من التطرق الى ما سمّاه "الإسرائيليات" في القرآن ودعوته الى بحث عميق ومتأنّ لما سمّاه "الصهيونية الإسلامية"!
قراءة في كتاب "نقد الفكر الديني في التوراة والإنجيل ونشوء الصهيونية المسيحية"
تأليف: شحادة الغاوي – دار أبعاد، 2025
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:06
ترقبوا نصف نهائي كأس العالم بين فرنسا وأسبانيا الثلاثاء الساعة العاشرة مساء بتوقيت بيروت
-
00:03
تفجير كبير في كونين
-
23:59
"إيه بي سي" عن رسالة ترامب إلى الكونغرس: الضربات على إيران ستكون محدودة ومدروسة ومخططاً لها وسننفذها بأسلوب يهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين
-
23:58
التلفزيون الإيراني نقلا عن الجيش: استهداف سفينة أميركية "معادية" بصواريخ كروز
-
23:53
الجيش الإيراني: استهدفنا أنظمة اتصالات وخزانات وقود ومنظومة باتريوت وبرج مراقبة ومستودع ذخيرة للجيش الأميركي في الكويت
-
23:43
الحرس الثوري الإيراني: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة أميركية من طراز إم كيو 1 في مضيق هرمز
