قالت: لماذا يكثر الحديث عن السيادة هذه الأيام؟ ولماذا فئة من اللبنانيين تزعم انها من أصحاب السيادة وتتهم الآخرين بأنهم غير سياديين.
قلت: يسمعون ردا صورة طبق الأصل عن الاتهام.
قالت: ومن يحكم بينهما، أليست الدولة هي المسؤولة عن التصويب والتوضيح؟
قلت: الدولة ليست طرفا، الدولة تقف على الحياد أحيانا، وتكون مع فئة دون ان تعادي منطق الفئة المقابلة أحيانا. لا لون للدولة ولا رائحة وشكلها مفركش وحجمها متغير. لا علاقة عملية للدولة بالسيادة. الدولة مكتفية بذاتها المبعثرة في كل الاتجاهات. حصرا للموضوع لنعد الى السيادة.
قالت: انا لا اعرف معنى كلمة سياده، اسمعها أرددها كما الآخرين.
قلت: نحن في حالة خصومة مع المصطلحات المتصلة بوجودنا، نفهمها من الآخرين ولا نفتش عن معانيها في الكتب وبين السطور. لا نحاول استخراج المعنى الذي يناسبنا بل نأخذ بالمعنى الذي يريده أولياء أمرنا.
السيادة إدراك مترافق مع الشرف والكرامة وقوة تصون وتحمي وتردع.
يعتقد بعض السياديين ان السياد تكتسب من الأمكنة التي تروق لهم.
قالت : لماذا لا تُعرّف السيادة ؟ انا اعتقد ان السيادة حرية
قلت : تقصدين حرية التعبير والحركة، أشك بذلك، لأن التبعية حرية، والخيانة حرية، والتنازل عن الأرض حرية، وابرام المعاهدات المذلة حرية، وبيع الأراضي للعدو حرية.
الخضوع حرية فمثلا : ان يهين المبعوث الأميركي الإعلاميين من على منبر القصر الجمهوري ولا يرميه احد بضربة حذاء فهذه تعني حرية القول وحرية الخنوع.
مثلا آخر: ان تطلب من العدو احتلال بلادك وترى بعينيك دمار بيروت وأنت تقيم ليلة حمراء في أحد المنتجعات مع صديقة عضوة في الموساد الإسرائيلي، فهذه حرية قد تكون الحرية جانبا من جوانب السيادة.
قالت: يحضرني سؤال : كيف يمارس الضعفاء السيادة ؟ أم انهم لا يعرفون معنى السيادة؟
قلت: تقصدين اللبنانيين؟
قالت: نعم
قلت: ليت سؤالك عن كيفية اكتساب السيادة؟ وكيف تمارس الشعوب سيادتها ضعيفة كانت او قوية.
نعم اللبنانيون يجهلون معنى السيادة، لأن السيادة أحاسيس ومشاعر، تبدأ السيادة بعد حرف النفي الذي يأتي بعد الشرف والكرامة النافي الذل والعار، وحرف النفي هذا لا يكتسبه المواطن من القراءة والكتابة. قلنا الاحاسيس والمشاعر، انت تعلمين ان منبع هاتين الصفتين البيئة الاجتماعية ونوعية الثقافة التي ينشأ عليها المواطن، وعندما تدخل من نوافذ البلاد الثقافات المهمشة للسيادة والتي تحمل معاني متناقضة وتشجع على الانفلات من الهوية والانتماء تختلط الأمور عند اللبنانيين وتصبح السيادة شأنا فرديا وليست شأنا وطنيا، لو لم تكن السيادة في لبنان شأنا فرديا كنا شاهدنا لوحة اجتمع فيها الشعب مع الدولة بموقف يطالب توم براك بالاعتذار والمغادرة الفورية.
نحن لم نستطع حتى اللحظة ممارسة السيادة الوطنية.
قالت: تتحدث عن دور المشاعر والاحاسيس في توليد السيادة، ان هاتين الصفتين شأن فردي وليستا شأنا وطنيا. هذا تناقض في التحليل والاستنتاج.
قلت: أحسنت، تحاورين بعقل مستنفر وغاية شريفة، صحيح ان الاحاسيس والمشاعر شأن فردي لكنها أيضا شأنا تشاركيا، وأفضل تعبير لهذه التشاركية هو تعبير الوجدان القومي، راجعي معنى الوجدان القومي تصلين الى غايتك.
فمثلا : عندما ينفذ طيران العدو غارة على البقاع او الضاحية او دمشق او أي مكان في بلادنا تتباين المشاعر عند الناس فنجد من يعتبر هذه الغارات خرقا للسيادة ومنهم من يعتبر ان الامر لا يعنيه وبعضهم يفرح ويطلب من العدو الاستمرار في اعماله العسكرية.
تجسدت السيادة في الضابط اللبناني محمد فرحات، عندما اجبر مجموعة من العدو على التراجع وعندما استشهد في مواجهة معه، في الشهيد يوسف العظمة حين واجه الفرنسيين في ميسلون. وتجسد الإذعان في موقف الدولة اللبنانية التي لم تحرك ساكنا بعد استشهاده.
خسرنا السيادة عندما تنازلنا عن حقنا في تحرير ارضنا وبناء وطننا وأمتنا، حين سلّمنا امورنا الى المنظمات الدولية، حين رضينا بأن يقرر مصيرنا القرارات الدولية واستسلمنا للإرادات الأجنبية.
قالت: وضعتني امام سؤال منطقي وصعب. كيف يتوحد المواطنون في بلادي على موقف واحد وتفسير واحد لمفهوم السيادة.أرى الامر صعبا وأكاد أقول مستحيلا.
قلت: لست من المحبذين فكرة التلقين انا من أصحاب مدرسة الاستقراء والاستنتاج، التلقين يا صديقتي مقبرة تشغيل العقل، ومشكلتنا مع التلقين تشبه مشكلتنا مع شرع النص، التلقين يعني الحفظ والحفظ لا يركز المفاهيم، وأود ان اخبرك ان أحد معوقات فهم السيادة هو استبدال العقل بالنص حيث يأخذنا النص مرحلة ما قبل ظهور الوجدان القومي الى مرحلة نشوء الدولة الدينية والدولة الأثنية.
لا احب التسطيح ولا الاستهتار بأمور المفاهيم الناظمة لحياة الناس والأمم والاوطان، وفي طليعة هذه المفاهيم السيادة.
من أولى مظاهر التسطيح والاستهتار الاستعارة لتثبيت السيادة فمن يطلب سيادة بقوة من الآخرين لا يدري انه يخسر بعض السيادة اذا لم يخسرها كاملة. وهذا ما حصل ويحصل في العراق والشام ولبنان. ان الجزائريين دفعوا مليون شهيد من اجل نيل الحرية وتثبيت السيادة وها نحن في فلسطين نواجه حرب إبادة من اجل الحرية والشرعية والسيادة.
يجب ان نقتنع اننا تحت سيادة مستعارة.
تُستمد السيادة الحقيقة من الشعب، من قوة الشعب الثقافية والفكرية والقومية والاقتصادية والدفاعية.
الدولة مصدر ممارسة السيادة والشعب مصدر قوة الدولة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
14:05
وزير الخارجية الإسرائيلي: حزب الله يشكل خطرا على استقلال لبنان وأمن "إسرائيل"
-
14:05
نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية الإيراني: لم يُعقد أي اجتماع مع غروسي في سويسرا رغم طلبه
-
14:05
كاظم غريب أبادي: لا توجد خطة للوصول إلى المنشآت والمواد النووية التي تعرضت للهجوم
-
14:05
أبادي: ستُناقش هذه القضايا وتحل حصراً في إطار الاتفاق النهائي ونتيجة لإجراءات عملية يتخذها الطرف الآخر لإنهاء جميع العقوبات
-
14:05
أبادي: لا يمكن الترويج لسياسة "التحرك وترك الأمور على حالها" عبر ضجة إعلامية
-
14:03
وزير الخارجية الإسرائيلي: المفاوضات الجارية في واشنطن مع لبنان تاريخية ومهمة للغاية
